أهلا, . الرجاء الدخول أو التسجيل
04/09/2010, 02:52:18
985,416 رسائل في 88,999 مواضيع بواسطة 13,772 أعضاء
آخر عضو: الامل والنور
الوقت الحالي : 04/09/2010, 02:52:18
زمن الاتصال0 دقيقة.
*

شبكة الملحدين العرب  |  القسم العلمي  |  العلوم و الإختراعات  |  موضوع: مشكلة الوعي « قبل بعد »
صفحات: [1] للأسفل طباعة
لم يتم تقييم الموضوع
الكاتب موضوع: مشكلة الوعي  (شوهد 2362 مرات)
بروتين
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 854



الجوائز
« في: 17/01/2009, 22:35:07 »

يمكن الآن معالجة هذه المشكلة بالتقصي العلمي
للجهاز الإبصاري، وسيتطلب حلها تعاونا وثيقا بين
علماء النفس وعلماء الجهاز العصبي إلى جانب المنظِّرين(1).
< F. كريك> ـ < Ch. كوخ>

في هذه الأيام، يتناول السؤال المحوري في البيولوجيا العصبية العلاقةَ بين العقل والدماغ، فالجميع متفقون على أن ما نسميه "العقل" له علاقة حتمية ببعض نواحي سلوك الدماغ، وليس بالقلب كما ظن أرسطو. وأكثر نواحي هذه العلاقة غموضا هو الوعي، أو الاطلاع الشعوري awareness، الذي يمكن أن يتخذ أشكالا كثيرة، بدءا من الإحساس بالألم وانتهاء بالوعي بالذات self-conscoiousness. وغالبا ما اعتُبر العقل (أو الروح) في الماضي شيئا غير مادي (كما كان يعتقد ديكارت)، وأنه منفصل عن الدماغ ولكنه يتفاعل معه بطريقة ما. ولايزال بعض المشتغلين بالعلوم العصبية، مثل السير .J> إيكلز<، يؤكدون أن الروح مستقلة عن الجسد. إلا أن معظم المختصين بالعلوم العصبية يعتقدون الآن أن كل نواحي العقل، بما في ذلك الوعي الذي هو أكثر نواحي العقل إثارة للحيرة، يمكن تفسيرها بطريقة أكثر مادية على أساس اعتبارها سلوك مجاميع كبيرة من الخلايا العصبية المتفاعل بعضها مع بعض. وكما قال <وليام جيمس> (أبو علم النفس الأمريكي) قبل نحو قرن، فإن الوعي ليس شيئا ملموسا بل سيرورة process.
 
إلا أن كُنْه هذه السيرورة بالضبط مازال ينتظر الاكتشاف. ولسنوات عديدة بعد أن خط جيمس كتابه "مبادئ علم النفس"، بقي الوعي مفهوما محظورا في علم النفس الأمريكي، بسبب هيمنة الحركة السلوكية behaviorist movement. ومع ميلاد العلم الاستعرافي cognitive science في أواسط الخمسينات، صار من الممكن لعلماء النفس مرة أخرى أن يعتبروا السيرورات العقلية تقابل سلوك الملاحظة ليس إلاّ. وعلى الرغم من هذه التغيرات، تجاهل العلماء الاستعرافيون مسألة الوعي حتى وقت قريب جدا، كما فعل ذلك أيضا جميع المشتغلين بالعلوم العصبية. فقد كانت هذه المشكلة تعتبر إما مشكلة "فلسفية" خالصة، أو أنها أكثر وَهْما من أن تُدرس دراسة تجريبية. وقد كان من العسير على مشتغلٍ بالعلوم العصبية أن يحصل على منحة من أجل مجرد دراسة الوعي.

 


يمكن استخدام قطة <لويس كارول>
الغائبة عن النظر لدراسة الشعور الواعي
 
وفي رأينا أن هذا الجُبْن مدعاة للسخرية، ولهذا فقد بدأنا منذ سنوات قليلة نفكر في الطريقة المثلى لاقتحام هذه المشكلة اقتحاما علميا. فكيف يمكننا تفسير الأحداث العقلية على أنها نتاجُ اضطرامِ firing مجاميعَ كبيرة من العصبونات؟ وعلى الرغم من أن هناك من يعتقد أن هذا المدخل ميؤوس منه، فإننا نشعر أنه من غير المجدي أن نقلق كثيرا على نواحي المشكلة التي لا يستطاع حلها علميا، أو بتعبير أدق لا يمكن حلها فقط باستخدام الأفكار العلمية السائدة. فقد تكون هناك حاجة حقيقية إلى مفاهيم جديدة بشكل جذري. ولنا أن نستعيد إلى الذاكرة تحورات التفكير العلمي التي فرضتها علينا ميكانيكا الكم quantum mechanics. ولعل المدخل المعقول الوحيد هو دفع البحوث التجريبية قُدُما، إلى أن تواجهنا معضلات تستدعي طرقا جديدة من التفكير.
 
هناك مقاربات (مداخل) كثيرة ممكنة لحل مشكلة الوعي. ويشعر بعض علماء النفس أن أي نظرية كي ما تكون مُرضية يجب أن تحاول تفسير أكبر عدد ممكن من نواحي الوعي، بما في ذلك الانفعال والتخيل والأحلام والخبرات الصوفية وغيرها. وعلى الرغم من أننا سنحتاج إلى مثل هذه النظرية الشاملة على المدى الطويل، فإننا نعتقد أنه من الحكمة البالغة أن نبدأ بتلك الناحية من الوعي التي يحتمل أن تكون أكثر سهولة في الخضوع للتجربة العلمية. أما ما هي هذه الناحية من الوعي فهذا أمر متروك للتقدير الشخصي. وقد اخترنا الجهاز الإبصاري للثدييات؛ لأن البشر حيوانات تعتمد على الإبصار اعتمادا كبيرا، ولأنه سبق وتم فعلا الكثير من العمل التجريبي والنظري في هذا المجال. [انظر: "الصورة الإبصارية في العقل والدماغ"،مجلة العلوم، العدد 5 (1995)، الصفحة 26].
 
 


يتضمن الوعي الإبصاري بصفة أساسية رؤية ما أمامك مباشرة. ولكنه قد يتأثر بتمثيل ثلاثي الأبعاد، يحتفظ به الدماغ للشيء المرئي. فإذا ما نظرت إلى الناحية الخلفية لرأس شخص ما، فإن دماغك يستنتج أن هناك وجها في الناحية الأمامية. ونحن نعلم صحة هذا الاستنتاج، إذ سينتابنا العجب لو أن مرآة كشفت لنا أن الأمام والخلف متماثلان تماما، كما يبدو في هذه اللوحة التي تحمل اسم "ممنوع الاستنساخ" للفنان < R. ماگريت> (1973).
 
وليس من السهل أن نحيط إحاطة دقيقة بما نريد أن نفسره، وسيحتاج الأمر إلى العديد من التجارب المنضبطة قبل أن نصل إلى توصيف علمي للوعي الإبصاري. ونحن لم نحاول أن نعرّف الوعي الإبصاري نفسه، بسبب أخطار التعريف السابق لأوانه. (وإذا بدا هذا نوعا من الهروب، فلنحاول مثلا تعريف كلمة "الجين" gene، فلن نجد هذا الأمر سهلا). ومع ذلك، فإن البراهين التجريبية المتاحة حاليا تمدنا بلمحة عن طبيعة الوعي الإبصاري تكفي لتوجيه البحث العلمي. وفي هذه المقالة، سنحاول أن نبين كيف تمهد هذه البراهين الطرق لاقتحام هذه المشكلة العميقة والمحيرة.
 
ويتفق المنظرون الإبصاريون visual theorists على أن مشكلة الوعي الإبصاري يجري عرضها عرضا سيئا. ويعني المصطلح الرياضياتي "عرض سيئ" ill posed حاجتنا إلى قيود إضافية لحل المسألة المطروحة. ومع أن الوظيفة الأساسية للجهاز الإبصاري هي إدراك الأشياء والأحداث في العالم المحيط بنا، فإن المعلومات المتاحة لعيوننا لا تكفي بذاتها لإمداد الدماغ بتأويله المتميز للعالم المرئي. ولكي يؤوِّل الدماغ ما يصل إلى عيوننا من معلومات، يجب عليه أن يستخدم الخبرات السابقة (سواء أكانت خبراته الذاتية أم خبرات أسلافه القدماء، والتي تتضمنها جيناته). ومن أمثلة ذلك استنباط التصور الثلاثي الأبعاد للعالم المحيط انطلاقا من الإشارات ذات البعدين التي تقع على شبكية عَيْنَيْنا أو حتى على إحداهما.
 
ويتفق المنظِّرون الإبصاريون أن الرؤية سيرورة تركيبية، فهي سيرورة يكون على الدماغ فيها أن ينفذ أنشطة مركَّبة (تسمى أحيانا تقديرات computations) كي يستطيع أن يقرر أي تأويل سيتبناه لمدخلاته الإبصارية الغامضة. ويعني مصطلح "التقديرات" أن الدماغ يقوم بتكوين تمثيل (تصوُّر) representation رمزي للعالم الإبصاري، مع رسم خريطة ـ بالمعنى الرياضياتي ـ لنواح معينة من ذلك العالم على بضعة عناصر في الدماغ.
 
وكما هي الحال مع معظم العلماء الاستعرافيين، يفترض < R. جاكندوف> (من جامعة برانديس) أن ما يقوم به الدماغ من تقديرات يتم في اللاوعي، وأن ما نشعر به نحن هو نتائج هذه التقديرات. إلا أن جاكندوف اقترح نظرية للوعي متوسطة المستوى، على الرغم من أن الرأي الرائج هو أن الوعي يحدث عند أعلى مستويات منظومة التقديرات.
 
ويقترح جاكندوف أن ما نراه يكون ذا علاقة بتمثيل للسطوح المرئية لنا مباشرة، إضافة إلى خطوطها الكِفافِيّة (الكنتورات) contours واتجاهاتها وألوانها ونسيجها وحركاتها. (وهذه الفكرة تشبه ما دعاه الراحل < C .D. مار>، من معهد ماساتشوستس للتقانة: "المخطط ذو البعدين ونصف البعد". وهو أكثر من مخطط ذي بعدين، لأنه يحمل اتجاهات السطوح المرئية؛ كما أنه أقل من المخطط الثلاثي الأبعاد؛ لأنه ينقصه التمثيل الصريح للمعلومات الدالة على العمق). وفي المرحلة التالية يقوم الدماغ بمعالجة هذا المخطط ليصنع تمثيلا ثلاثي الأبعاد. ويزعم جاكندوف أننا لا نعي إبصاريا هذا التمثيل الثلاثي الأبعاد.
 
 


كثيرا ما استعمل <سلڤادور دالي> في لوحاته صورا مبهمة. ففي لوحته "Slave Market with the Disappearing Bust of Voltaire (1940)" يظهر التمثال النصفي للفيلسوف الفرنسي ڤولتير على مبعدة ولكنه يتحول إلى صور لثلاثة أناس إذا ما تم النظر إلى اللوحة عن قرب لصيق. ونشير هنا إلى أن الدراسات على الأشكال المبهمة للنسناس أثناء الأداء قد وجدت أن العديد من الباحات القشرية المخية العليا لا يستجيب إلا للشكل الذي يتم إدراكه حاليا، إذ يحدث إقصاء (كبت) الاستجابة العصبونية للصورة غير المشاهدة unseen image.
 

وقد يتضح الأمر إذا ما ضربنا لهذا مثلا، فأنت إذا نظرت إلى شخص من قفاه فإنك ترى السطح الخلفي لرأسه، ولكنك لا ترى وجهه. ومع ذلك يستنتج دماغك أن هذا الشخص له وجه. إننا نستطيع أن نستنتج بهذا القدر، لأنه إذا استدار ذلك الشخص ولم نجد له وجها فسنصاب بالدهشة.
 
فالتمثيل الذي يركِّز عليه الناظر لقفا الرأس المرئي هو ما تلمّ به أنت بشكل واضح. أما ما يستنتجه دماغك عن واجهة الرأس فإنه يصدر عن نوع من التمثيل (التصور) الثلاثي الأبعاد. ولا يعني ذلك أن المعلومات تتدفق فقط من تمثيل مسطَّح إلى تمثيل ثلاثي الأبعاد، بل يكاد يكون من المؤكد أن المعلومات تتدفق في كلا الاتجاهين. وعندما تتخيل واجهة الوجه فإن ما تلم به هو تمثيل مسطح تولده المعلومات المنبثقة من نموذج model ثلاثي الأبعاد.
 
ومن المهم أن نميز بين التمثيل الصريح والتمثيل المضمر. فالتمثيل الصريح (الظاهر) explicit representation هو شيء يضم الرمز دون المزيد من المعالجة. أما التمثيل المُضْمَر implicit فيحتوي على المعلومات نفسها ولكنه يتطلب مزيدا من المعالجة لجعله صريحا. فنمط النقط الملونة على شاشة تلفاز مثلا، يحتوي على تمثيل مضمر للأشياء (ولنقل وجه شخص ما)، ولكن الشيء الصريح إن هو إلا البقع الضوئية ومواضعها. وعندما ترى وجها على الشاشة، فلا بد أن يكون هناك عصبونات يَرْمُز اضطرامها بمعنى ما إلى ذلك الوجه.
 
ونسمي هذا الطراز pattern من العصبونات neurons الضارمة تمثيلا إيجابيا. ولا بد أن هناك أيضا تمثيلا كامنا للوجه يختزنه الدماغ، وربما كان ذلك على شكل طراز خاص من الاتصالات المشبكية بين العصبونات. [انظر: "كيف تتعلم الشبكات العصبية من الخبرة"،مجلة العلوم، العدد 5 (1994)، الصفحة 108]. وعلى سبيل المثال، قد يكون هناك تمثيل في دماغك لتمثال الحرية، وهو تمثيل يكون في العادة خاملا. وعندما تفكر فعلا بذلك التمثال يصبح هذا التمثيل نشيطا، إذ ينتاب الاضطرامُ العصبوناتِ ذات العلاقة.
 
وقد يحدث أن يتم تمثيل شيء ما بأكثر من طريقة. فقد تمثله صورة إبصارية أو مجموعة من الكلمات وما يتعلق بها من أصوات، أو قد تمثله لمسة أو رائحة. وهذه التمثيلات المختلفة يحتمل أن يتآثر interact بعضها مع بعض. كما يُحتمل أن يتوزع التمثيل على عدد من العصبونات في موقع واحد (حسبما ذُكر في المقالة "كيف تتعلم الشبكات العصبية من الخبرة")، أو بشكل شمولي سواء بسواء. وقد لا يكون مثل هذا التمثيل بسيطا ومباشرا بالقدر الذي يمكن أن يشير إليه الاستبطان غير الحاسم(1). فهنالك أدلة ذات مغزى ـ نابعة من دراسة كيفية اضطرام العصبونات في الأجزاء المختلفة من دماغ النسناس من جهة، ومن فحص تأثيرات أنماط معينة من أذيات الدماغ لدى البشر من جهة أخرى ـ تشير إلى أن النواحي المختلفة من الوجه ومضامينه يمكن أن تتمثل في أجزاء مختلفة من الدماغ.
 
فهناك أولا تمثيل الوجه على أنه وجه: بمعنى، عينان وأنف وفم وهلم جرّا. وهنا تكون العصبونات الضالعة في هذا التمثيل عادة غير منمَّقة فيما يخص الحجم المضبوط للوجه أو مكانه في الساحة الإبصارية visiual field، كما لا تكون حساسة جدا للتغيرات البسيطة في اتجاهات الوجه. وفي النسانيس توجد عصبونات تستجيب أفضل استجابة عندما يستدير الوجه نحو جهة معينة، في حين يبدو أن بعض العصبونات الأخرى تهتم أكثر باتجاه تحديق العينين.
 
فهناك إذًا تمثيلات لأجزاء الوجه منفصلة عن التمثيلات الخاصة بمجموع الوجه. وإضافة إلى ذلك، فإن مضامين رؤية وجه ما، مثل جنس الشخص من حيث هو ذكر أو أنثى، وتعبيرات الوجه، ومدى ألفتنا هذا الوجه أو استغرابنا له، وعلى الأخص هوية صاحب هذا الوجه، كل ذلك مرهون بعصبونات تخص كلا منها وتضطرم في أمكنة أخرى من الدماغ.
 
ففي أية لحظة ليس ما نعيه ـ بمعنى أو بآخر ـ شيئا بسيطا. وقد اقترحنا أنه قد يوجد شكل عابر جدا من وعي سريع الزوال يمثل ملامح بسيطة فقط ولا يحتاج إلى آلية للانتباه. ويبني الدماغ من هذا الوعي الخاطف تمثيلا مركزي المنظور (وهو ما نراه بوضوح وحيوية) يتطلب الانتباه فعلا. وهذا بدوره ربما يقود إلى تمثيلات شيئية ثلاثية الأبعاد، ومن ثم إلى تمثيلات أكثر استعرافية.
 
هذا ويحتمل أن يكون للتمثيلات المقابلة للوعي الواضح صفات مميزة خاصة. وقد اعتقد <وليام جيمس> أن الوعي يشتمل على الانتباه والذاكرة القصيرة الأمد كليهما. ويتفق معظم علماء النفس اليوم مع هذا الرأي. ويقول جاكندوف: إن الوعي "يثريه" الانتباه، مشيرا بذلك إلى أنه في حين لا يكون الانتباه أساسيا لبعض أنواع معينة ومحدودة من الوعي، فإنه ضروري للوعي الكامل. إلا أنه ليس من الواضح تماما أي أشكال الذاكرة يدخل في هذه السيرورة. فهل هناك حاجة إلى الذاكرة الطويلة الأمد؟ إن بعض أنواع المعرفة المكتسبة ضالعة في آلية المعالجة العصبية إلى الحد الذي يجعلها تُستخدم بالتأكيد حين تأسيس وعينا بشيء ما. ومن ناحية أخرى، توجد أدلة من دراسات على مصابين بأذيات دماغية تشير إلى أن القدرة على خزن ذاكرات عارضة جديدة طويلة الأمد ليست أمرا أساسيا للوعي.
 
 

لاحظ <وليام جيمس>، الذي يعد "أبو علم النفس" الأمريكي، أن الوعي ليس شيئا ملموسا بل هو سيرورة.
 


يصعب علينا أن نتصور أن شخصا ما يمكن أن يكون واعيا إذا خلا من أي ذاكرة لما حدث توًا، حتى ولو كان حدثا قصيرا جدا. وفي مجال الإبصار، يتحدث علماء النفس عما يسمّونه الذاكرة الإيقونية iconic memory التي تدوم جزءا من الثانية، وعن الذاكرة العاملة working memory (مثل تلك المستخدمة في تذكر رقم هاتفي جديد) التي لا تدوم إلا ثواني قليلة ما لم يُجْرَ تكرارها. وليس من الواضح ما إذا كان هذان النمطان من الذاكرة أساسيين لحدوث الوعي. وعلى كل حال فإن تقسيم الذاكرة القصيرة الأمد إلى هاتين الفئتين قد يكون تقسيما فجًا إلى درجة كبيرة.
 
إذا كانت سيرورات الوعي الإبصاري المعقَّدة هذه لها مواضعها الخاصة في أجزاء من الدماغ، فما هي السيرورات المحتملة لكل من تلك المواضع؟ صحيح إن عدة مناطق من الدماغ يمكن أن تتشارك، ولكن من المؤكد تقريبا أن القشرة المخية الحديثة cerebral neocortex تؤدي دورا مسيطرا. وتصل المعلومات الإبصارية الواردة من الشبكية إلى القشرة الحديثة أساسا عن طريق جزء من المهاد thalamus، هو النواة الركبية الجانبية (الوَحْشِيّة) lateral. وهناك مسار إبصاري مهم آخر يأتي من الشبكية إلى الأكيمة العلوية superior colliculus في أعالي جذع الدماغ.
 
تتألف القشرة المخية في الإنسان من صفيحتين من النسيج العصبي مطويتين بشكل معقَّد، وتقع كل واحدة منهما في جانب من الرأس، كما تتصل الواحدة منهما بالأخرى بوساطة سبيل كبير large tract يضم نحو نصف مليار محوار axon ويسمى الجسم الثفني (الجاسئ) corpus callosum. ومعروف جيدا أنه إذا قطع هذا الجسم الثفني (على شاكلة ما يحدث عند معالجة بعض الحالات المستعصية من الصرع) يفقد أحد جانبي الدماغ وعيه لما يراه الجانب الآخر. وبوجه خاص، يبدو أن الجانب الأيسر من الدماغ (في الأشخاص الذين يفضلون استخدام يدهم اليمنى) لا يعي المعلومات الإبصارية التي يستقبلها الجانب الأيمن من الدماغ حصرا. وهذا يبين أن المعلومات المطلوبة لحدوث الوعي الإبصاري لا يصل منها شيء إلى الجانب الآخر من الدماغ أثناء النزول إلى جذع الدماغ ومن ثم العودة إلى المخ مرة أخرى. وفي الشخص السوي تستطيع هذه المعلومات الوصول إلى الجانب الآخر عن طريق استخدام محاوير الجسم الثفني فحسب.
 
ويدخل جزء آخر من الدماغ هو المنظومة الحُصَيْنيّة hippocampal system في تكوين ذاكرات التأثير الأوحد، أي الذاكرات العارضة episodic، وهي التي تمر في غضون أسابيع أو أشهر إلى القشرة المخية الحديثة. وهذه المنظومة تحتل موقعا يسمح من جهة باستقبال المُدْخَلات inputs من أجزاء كثيرة من الدماغ، ومن جهة أخرى بإرسال المُخرجات outputs إلى مناطق كثيرة أخرى منه. وعلى هذا قد يظن المرء أن المنظومة الحصينية هي المقر الأساسي للوعي، إلا أن الأمر ليس كذلك، فدراسة حالات المرضى بتلف الدماغ تُظهر أن هذه المنظومة ليست أساسية بالنسبة إلى الوعي الإبصاري، مع أنه من الطبيعي أن الشخص الذي تنقصه مثل هذه المنظومة يعاني إعاقة بالغة في ممارسة الحياة اليومية لكونه لا يستطيع تذكُّر أي شيء استغرق حدوثه أكثر من دقيقة أو نحوها في الزمن الماضي.
 
تجربة قط تِششَر Cheshire
توضح هذه التجربة البسيطة باستخدام المرآة إحدى نواحي الوعي الإبصاري. وتستند إلى ظاهرة تدعى تنافس العينين. وتحدث هذه الظاهرة حينما تتلقى كل عين مدخلات مختلفة من الجزء نفسه من المجال (الساحة) الإبصاري. وتستطيع الحركة في مجال إحدى العينين أن تسبب محوا كليا أو جزئيا للصورة؛ لأن الحركة تأسر انتباه الدماغ.
ولملاحظة هذا التأثير يَقْسِم الناظر مجال إبصاره بوساطة مرآة موضوعة بين العينين (a)، فترى إحدى العينين القط، في حين ترى العين الأخرى انعكاسا في المرآة لحائط أبيض أو خلفية بيضاء. ثم يُلوِّح الناظر يده الموافِقة للعين الناظرة إلى المرآة، بحيث تمر اليد عبر المساحة التي تظهر فيها صورة القط بالنسبة إلى العين الأخرى (b). والنتيجة هي أن القط قد يختفي. وإذا كان الناظر منتبها لملمح خاص قبل أن يلوح بيده، فإن ذلك الملمح (مثل العينين أو حتى البسمة الساخرة) قد يبقى (c).


 

 
وبشكل عام، يُحتمل أن القشرة المخية الحديثة للحيوانات اليقظة تعمل بطريقتين. فعن طريق بناء تشبيك وصلات عصبي wiring فج وفضفاض إلى حد ما، تُنتِجه جيناتنا وسيروراتنا الجنينية embryonics، تستدرج القشرةُ المخية الحديثة الخبراتِ الإبصارية لتعيد ببطء تشبيك ذاتها من أجل تكوين قطاعات categories (أو قَسَمات features) تستطيع أن تستجيب لها. ولا يكتمل تكوين قطاع جديد في القشرة المخية الحديثة بمجرد التعرض لمثال واحد من هذه الخبرات فقط، مع أن بعض التحويرات الصغيرة للاتصالات العصبية قد تحدث نتيجة ذلك.
 
والوظيفة الثانية للقشرة المخية الحديثة (على الأقل في الجزء الإبصاري منها) هي الاستجابة بسرعة فائقة للإشارة الواردة. ولكي تؤدي تلك الوظيفة فهي تستخدم القطاعات التي تعلَّمَتْها، وتحاول أن تجد التجمعات العصبونية النشيطة التي يحتمل أن تكون أكثر قدرة على تمثيل الأشياء والأحداث ذات العلاقة بالموضوع في تلك اللحظة ضمن العالم الإبصاري، وذلك استنادًا إلى الخبرات السابقة. وإن مثل هذه الائتلافات coalitions من العصبونات النشيطة قد يسهم كذلك في تكوينها تَدَخُّلات biases آتية من أجزاء أخرى من الدماغ؛ نذكر مثالا عليها إشارات تُخبر القشرة الحديثة بأفضل ما تنتبه إليه أو بأعلى مستويات التوقُّعات المتعلقة بطبيعة المنبه في المجال الإبصاري.
 
وكما لاحظ جيمس، فإن الوعي دائم التغير. فهذه الائتلافات المتكونة بسرعة يتم حدوثها في مستويات مختلفة، وتتفاعل فيما بينها لتكوين ائتلافات أوسع. وهي مرحلة عابرة لا تستمر عادة أكثر من جزء من الثانية. ولكون الائتلافات في المنظومة الإبصارية تشكل أساس ما نراه، فقد عمل التطور على أن تتكون بأسرع ما يمكن، وإلا لما استطاع حيوان أن يبقى على قيد الحياة. فالدماغ قاصر فيما يخص تشكيل الائتلافات العصبونية بسرعة؛ لأن العصبونات تعمل ببطء شديد إذا ما قورنت بمعايير حاسوبية. ويعوض الدماغ هذا البطء النسبي تعويضا جزئيا باستخدامه عددا كبيرا من العصبونات في الوقت نفسه وعلى التوازي. وكذلك عن طريق ترتيب المنظومة بطريقة مراتبية hierarchical إلى حد ما.
 
فإذا كان الوعي الإبصاري في أي لحظة يتطابق مع اضطرام مجاميع من العصبونات، فإن السؤال الواضح يكون عندئذ: أين تقع هذه العصبونات في الدماغ، وبأي أسلوب تمارس اضطرامها؟ فمن غير المحتمل أن يشغل الوعي الإبصاري جميع عصبونات القشرة المخية الحديثة التي يصدف أن تضطرم فوق المعدل الأساسي لاضطرامها في لحظة معينة. ولنا أن نتوقع من الناحية النظرية على الأقل أن بعض هذه العصبونات ستدخل في إجراء التقديرات بحيث تحاول تحقيق أفضل الائتلافات، في حين تُعبِّرُ عصبونات أخرى عن نتائج هذه التقديرات، أو أنها ـ بكلمات أخرى ـ تُعبِّر عما نرى.
 
ومن حسن الحظ أنه أمكننا التوصل إلى براهين تجريبية تساند هذا الاستنتاج النظري. فهناك ظاهرة تسمى تنافس العينين binocular rivalry يمكن أن تساعد على تحديد العصبونات التي يَرْمز symbolize اضطرامُها للوعي. ونستطيع مشاهدة هذه الظاهرة بشكل بالغ الإقناع من خلال عرضٍ أعدّه كل من < S. ديونسنك> و < B. ميلر> في مركز الاستكشافات بسان فرانسيسكو.
 
يحدث التنافس بين العينين عندما تتلقى كل عين مدخلات إبصارية تختلف عن الأخرى فيما يخص الجزء نفسه من المجال الإبصاري. فالمنظومة الإبصارية المبكرة في الجانب الأيسر من الدماغ تستقبل مدخلات من العينين ولكنها لا ترى سوى جزء من المجال الإبصاري يقع إلى الجانب الأيمن من نقطة التركيز. والعكس بالعكس بالنسبة إلى الجانب الأيمن. فإذا قام التنافس بين هاتين المجموعتين المتعارضتين من المدخلات، فإننا لا نراهما تتراكبان بل نرى مجموعة المدخلات الأولى أولا ومن ثم المجموعة الأخرى وهكذا دواليك بشكل متعاقب.
 
وفي العرض المسمى "قطة تشِشَر" Cheshire Cat يضع الناظرون رؤوسهم في مكان مثبت ويطلب إليهم أن يبقوا نظرهم مثبتا. وبوساطة مرآة موضوعة بشكل مناسب [انظر الشكل في الصفحتين أدناه] يمكن لإحدى العينين أن تنظر إلى وجه شخص آخر من الأمام مباشرة، في حين ترى العين الأخرى شاشة بيضاء ناصعة إلى جانبه. فإذا ما لوّح الناظر بيده أمام هذه اللوحة الشاغرة، عند الموضع نفسه في مجال إبصاره الذي يشغله الوجه، فإن هذا الأخير ينمحي. فالحركة تستولي على انتباه المخ لأنها ذات وقع شديد من الناحية الإبصارية. ومن دون الانتباه لا يمكن رؤية الوجه، فإذا حرك الناظر عينيه عاد الوجه إلى الظهور.
 
وفي بعض الأحيان لا يختفي سوى جزء من الوجه فقط. فقد تبقى مثلا في بعض الأحيان عين واحدة أو العينان معا. وإذا ما نظر الرائي إلى البسمة على وجه الشخص المرئي، فقد يختفي الوجه تاركا الابتسامة فقط. ولهذا السبب يسمى ذلك التأثير "تأثير قطة تششر" تمشيا مع اسم القطة في رواية لويس بعنوان "مغامرات أليس في بلاد العجائب".
 
ومع أنه من الصعب جدا أن نسجل النشاط العصبي من خلية منفردة في المخ البشري، إلا أن هذا ممكن في النسانيس. وقد تمت دراسة مثال بسيط لهذا التنافس بين العينين على نسناس، قام بها < K .N. لوكوثيتيس> و < .J .D شال> حينما كانا معا في معهد ماساتشوستس للتقانة (MIT). فقد قاما بتدريب نسناس من نوع المكاك على أن يُبقي عينيه ساكنتين، وأن يعطي إشارة تدل على ما إذا كان يرى حركة حاجز شبكي أفقي إلى أعلى أو إلى أسفل. ولإحداث ظاهرة التنافس بين العينين يتم إسقاط الحركة العلوية على إحدى عيني النسناس والحركة السفلية على العين الأخرى، بحيث تتراكب الصورتان في الساحة (المجال) الإبصارية. وهنا يعطي النسناس إشارات بأنه يرى الحركتين العلوية والسفلية بالتناوب مثلما يفعل الإنسان. ومع أن المنبه الحركي الوارد إلى عيني النسناس هو ذاته على الدوام، فإن إدراك النسناس يتغير في كل ثانية أو نحو ذلك.
 
تُعدّ الباحةُ القشرية MT، التي أسماها سمير زكي الباحة (V5) في مقاله "الصورة الإبصارية في العقل والدماغ"، باحةً معنية بالحركة بشكل رئيسي. فماذا تفعل العصبونات في الباحة MT حينما يكون إدراك النسناس نحو الأعلى حينا ونحو الأسفل حينا آخر؟ (وقد درس الباحثون الاستجابة الأولى للنسناس فقط). إن الإجابة المبسطة عن هذا السؤال (لكون البيانات الحقيقية أكثر غموضا) هي أنه: في حين يرتبط اضطرام بعض العصبونات بالتغيرات في الإدراك يبقى المعدل الوسطي لاضطرام العصبونات الأخرى ثابتا نسبيا ولا يعتمد على اتجاه الحركة التي يراها النسناس في تلك اللحظة. ولهذا فمن غير المحتمل أن يُقابل الاضطرامُ في جميع عصبونات القشرة الإبصارية الحديثة في لحظة ما الوعيَ الإبصاري للنسناس. ويبقى علينا أن نكتشف أي العصبونات يقابل الوعي فعلا.
 
لقد افترضنا أننا حينما نرى شيئا ما بوضوح لا بد أن يكون هناك عصبونات تضطرم بشكل نشيط لتمثِّل ما نرى، وهذه القاعدة يمكن أن نسميها قاعدة النشاط activity principle. وهنا نجد أيضا بعض الأدلة التجريبية، وأحد أمثلتها هو اضطرام العصبونات في الباحة القشرية V2 استجابة لخطوط كفافية (خطوط عامة) خادعة، كتلك التي وصفها زكي. ومثال آخر قد يكون أكثر جذبا للانتباه نجده في حالة "ملء filling in البقعة العمياء". والبقعة العمياء في كل عين سببها غياب المستقبلات الضوئية في منطقة الشبكية التي يخرج عندها العصب البصري من المقلة باتجاه الدماغ. ويبعد موقع هذه البقعة نحو 15 درجة عن الحُفَيْرة fovea (المركز الإبصاري للعين). وعلى الرغم من ذلك فإنك إذا أغلقت عينا واحدة لا ترى ثغرة في مجالك الإبصاري.
 
ويتميز الفيلسوف < C .D. دينيت> من (جامعة تافتس) بين الفلاسفة باهتمامه بكلٍّ من علم النفس والدماغ، ونحن نرحب بهذا الاهتمام. وفي كتاب له تحت عنوان: Consciousness Explained، جادل بأن من الخطأ الحديثَ عن سيرورة ملء filling in، واستنتج بحق أن "غياب معلومة ما يختلف عن معلومة الغياب". وانطلاقا من هذه القاعدة العامة، فإنه يرى أن الدماغ لا يملأ البقعة العمياء، بل يتجاهلها.
 
 


يوضح الخداع البصري، الذي صممه < S .V. راماشاندران>، قدرةَ الدماغ على ملء ما ينقص من معلومات إبصارية، أو بناء تلك المعلومات الناقصة بسبب وقوعها على البقعة العمياء للعين. فعندما تنظر إلى نماذج القضبان الخضراء المنكسرة يولد الجهاز الإبصاري خطين كفافيين (كونتورين) two contours يحددان شريطا شاقوليا. والآن، أغلق عينك اليمنى وركِّز بصرك على المربع الأبيض في سلسلة القضبان الخضراء، ثم حرك الصفحة نحو عينك إلى أن تختفي النقطة الزرقاء (نحو ست بوصات إلى الأمام من أنفك). ويذكر معظم الناظرين أنهم يرون الشريط الشاقولي مكتملا عبر البقعة العمياء ولا يرون الخطوط المنكسرة. والآن أعد التجربة نفسها مع السلسلة المؤَّلفة من القضبان الحمراء الثلاثة فقط، ستجد أن الخطوط الكفافية (الكنتورات) الشاقولية المضللة أقل تحديدا وأن الجهاز الإبصاري يميل إلى ملء القضيب الأفقي عبر البقعة العمياء. وهكذا يملأ الدماغ الفراغ بأشكال مختلفة تستند إلى السياق الإجمالي للصورة.
 
إلا أن حجة "دينيت" في حد ذاتها لا تبرهن على عدم حدوث الملء، ولكنها تقترح فقط إمكانية عدم حدوثه. وينص دينيت أيضا على أن "دماغك لا يمتلك آلة [للملء] في ذلك الموضع". ولكن هذا النص غير صحيح، فالقشرة الإبصارية الأولية (V1) ينقصها مُدْخَل مباشر من إحدى العينين، ولكن "الآلة" السوية موجودة من أجل التعامل مع مدخلات العين الأخرى. وقد أظهر < R. كاتاس> (من جامعة ريودي جانيرو الفيدرالية) أن بعض العصبونات في الباحة المخصصة للبقعة العمياء من القشرة V1 لدى نسناس المكاك تستجيب فعلا لمدخلات تَرِدها من كلتا العينين. وربما ساعد على ذلك مدخلات آتية من أجزاء أخرى من القشرة المخية. وعلاوة على ذلك ففي حالة المَلْء البسيط تستجيب بعض العصبونات في هذه المنطقة كما لو كانت تقوم بهذا الملء بشكل فعال.
 
وعلى هذا، فإن ادعاء دينيت حول البقع العمياء ليس صحيحا. إضافة إلى ذلك، بيّن < S .V. راماشاندران> في تجاربه النفسية أن ما يتم ملؤه قد يكون في غاية التعقيد ويعتمد على السياق الإجمالي للمشهد الإبصاري. ويجادل راماشاندران متسائلا: كيف يمكن لدماغك أن يتجاهل شيئا ما يدعو هو نفسه في الحقيقة للانتباه؟
 
وعلى هذا فلا يمكن استبعاد سيرورة الملء على أنها لا وجود لها أو أنها غير عادية. فمن المحتمل أنها تمثل سيرورة استكمال أساسية يمكن أن تحدث في مستويات عديدة بالقشرة المخية الحديثة. وهي، بالمناسبة، مَثلٌ جيد لما تعنيه عبارة السيرورة البنائية constructive process.
 
كيف يمكننا اكتشاف العصبونات التي يَرْمُز اضطرامها إلى إدراك معيَّن؟ لقد أجرى < T .W. نيوسوم> وزملاؤه (في جامعة ستانفورد) سلسلة من التجارب البارعة على عصبونات في الباحة القشرية MT من دماغ المكاك. وبدراسة أحدها يمكن أن نكتشف أنه يستجيب أفضل استجابة لملمح إبصاري معين له علاقة بالحركة. وعلى سبيل المثال، قد يضطرم عصبون ما بقوة، استجابةً لحركة قضيب في مكان معين داخل الساحة الإبصارية، ولكن ذلك لا يتم إلا إذا كان هذا القضيب موجَّها بزاوية معينة ويتحرك في أحد الاتجاهين العموديين على طوله ضمن مدى معين من السرعة.
 
ومن الصعب تِقنِيا أن نستثير مجرد عصبون واحد، ولكنه من المعروف أن العصبونات (التي تستجيب لموضع القضيب نفسه على وجه التقريب، وبالتوجه واتجاه الحركة نفسيهما) تميل لأن يقع بعضها قريبا من بعض في الصفيحة sheet القشرية المخية. وقد علَّم المجرِّبون النسناس عملا بسيطا في تمييز الحركة باستخدام خليط من النقط، كان بعضها يتحرك حركة عشوائية، في حين أن الباقي يتحرك دائما في اتجاه واحد. وقد بين هؤلاء المجربون أن التنبيه الكهربائي لمنطقة صغيرة في المكان الصحيح من المنطقة القشرية MT سيجعل تمييز حركة النسناس ينحاز على الدوام إلى الاتجاه المتوقع.
 
يمكن أن يكون الاضطرام الإيقاعي (النظمي) والمتزامن هو المتلازمة (المترابطة) العصبية للشعور الواعي، ويمكن له أن يجمع بين الفعاليات التي تخص الشيء نفسه والكائنة في باحات قشرية مخية مختلفة.
 
وعلى هذا، فإن تنبيه هذه العصبونات يمْكنه التأثير في سلوك النسناس، وربما أيضا في إدراكه الإبصاري. وعلى الرغم من ذلك لا تبيّن هذه التجارب بشكل قاطع أن اضطرام مثل هذه العصبونات هو القرين correlate العصبي الدقيق للإدراك. فقد يكون القرين قيام النشاط في مجموعة فرعية subset من العصبونات. أو ربما يكون القرينُ (التلازم) الحقيقي اضطرامَ عصبونات في جزء آخر من التنظيم المراتبي hierarchy الإبصاري تتأثر تأثرا بالغا بالعصبونات المنشطة في الباحة MT.
 
ومثل هذا التحفظ ينطبق أيضا على حالات التنافس بين العينين. ومن الواضح أن مشكلة العثور على العصبونات التي يَرْمُز symbolize اضطرامها إلى مُدْرَك معيّن لن تكون سهلة. وسنحتاج إلى عدة تجارب دقيقة لاقتفائها حتى ولو لنوع واحد من المدركات.
 
يبدو بوضوح أن الغرض من الوعي الإبصاري الناشط هو تغذية مناطق القشرة المخية ذات العلاقة بمتضمنات ما نراه. ومن هنا تُحْمل المعلومات من جهة إلى منظومة الحصين كي يتم تكويدها (مؤقتا) على شكل ذاكرة عارضة طويلة الأمد، كما تَجُول من جهة أخرى في مستويات التخطيط planning levels التابعة للجهاز الحركي. ولكن هل يمكن أن تذهب هذه المعلومات من المُدْخَلات الإبصارية إلى أحد المُخْرَجات السلوكية من دون أي وعي إبصاري يرتبط بها؟
 
مثل هذه السيرورة يمكن حدوثها، وتتوضح في مجموعة المرضى الجديرين بالملاحظة الذين يعانون "الإبصار الأعمى" blindsight. فجميع المصابين بتلف في القشرة الإبصارية يستطيعون أن يشيروا بدقة معقولة إلى أهداف بصرية أو أن يتتبعوها بأعينهم، في حين أنهم ينكرون بشدة رؤيتهم لأي شيء. وفي الحقيقة، نجد هؤلاء المرضى يندهشون من قدراتهم هذه، وكذلك أطباؤهم. ولكن كمية المعلومات التي "تمر إلى أدمغتهم" تكون محدودة: فمرضى الإبصار الأعمى يتمتعون ببعض القدرة على الاستجابة لأطوال الأمواج الضوئية وللتوجهات والحركات، ولكنهم لا يستطيعون التمييز بين المثلث والمربع.
 
من الطبيعي أن يَعْظُم اهتمامنا بمعرفة أي المسارات العصبية يستخدمه هؤلاء المرضى. وقد ظن الباحثون أول الأمر أن هذا المسار يمر بالأُكَيْمَة العلوية. ولكن التجارب الحديثة تقترح إمكانية اشتراك اتصال ضعيف مباشر بين النواة الركبية الجانبية وباحات قشرية أخرى مثل الباحة V4. وليس من الواضح ما إذا كانت سلامة المنطقة V1 ضرورية للوعي الإبصاري الآني. ومن المعروف أن الإشارة الإبصارية في حالة الإبصار الأعمى تكون من الضعف بحيث لا يستطيع النشاط العصبي تكوين الوعي، مع أنه يبقى من القوة بما يكفي لتمريره إلى الجهاز الحركي.
 
يستجيب أصحاب الإبصار السوي بانتظام للإشارات الإبصارية من دون أن يعوها بشكل كامل. وفي الأنشطة التلقائية (الأتوماتيكية)، مثل السباحة وقيادة السيارة، تحدث أفعال معقَّدة ولكنها نمطية من دون أن يصحب ذلك وعي إبصاري، أو بأقل قدر من هذا الوعي. وفي حالات أخرى تكون المعلومات المنقولة إما محدودة جدا أو واهنة جدا. وعلى ذلك فنحن نستطيع القيام بوظائفنا من دون وعي إبصاري، إلا أن سلوكنا من دونه يكون محدودا نوعا ما.
 
من الواضح أن شعورنا بإدراكٍ واعٍ يحتاج إلى بعض الوقت. ومن الصعب تحديد الوقت اللازم لإدراك حدثٍ من أحداث الوعي الإبصاري. ولكن إحدى نواحي المشكلة، التي يمكن تبيانها بالتجربة العملية، هي أن الإشارات التي نستقبلها في زمن متقارب جدا يتعامل الدماغ معها على أنها متزامنة.
 
يتم إنارة قرص ضوئي أحمر مدة 20 ملّيثانية مثلا، ثم يتبع ذلك وَمْضة من الضوء الأخضر للمدة نفسها وفي المكان نفسه. فنجد أن الشخص موضع التجربة يذكر أنه لم ير ضوءا أحمر يتبعه ضوء أخضر، ولكنه رأى بدلا من ذلك ضوءا أصفر وكأنه تعرَّض للضوءين الأحمر والأخضر في الوقت نفسه. ولكن هذا الشخص لا يمكنه الإحساس باللون الأصفر إلا بعد أن تكون معلومة الومضة الخضراء تمت معالجتها ومكاملتها (دمجها) مع الومضة الحمراء التي سبقتها.
 
 

ومضات خاطفة من ضوءٍ ملوَّن تُمكّن الباحثين من استنتاج الزمن الأدنى المطلوب لحدوث الوعي الإبصاري. فإذا أسقطنا قرصا من اللون الأحمر مدة 20 ملّيثانية (a) وأتبعنا ذلك على الفور بومضة من اللون الأخضر مدة 20 ملّيثانية (b)، نجد أن الناظر يذكر أنه يرى ومضة وحيدة من اللون الأصفر (c) وهو اللون الذي يظهر إذا أسقطنا اللونين الأحمر والأخضر في وقت واحد. ولا يستطيع الشخص المفحوص أن يعي اللون الأحمر متبوعا باللون الأخضر إلا إذا تجاوز الفرقُ بين الومضتين ما مقداره 60 إلى 70 ملّيثانية.
 
لقد أدت التجارب من هذا النوع بعالِم النفس < R. إيفرون> (وهو الآن في جامعة كاليفورنيا بديڤز) إلى أن يستنتج أن الوقت اللازم لمعالجة المعلومات وصولا إلى الإدراك يبلغ نحو 60 إلى 70 مليثانية. ونجد أيضا مُدَدًا مماثلة في التجارب التي استخدمت النغمات في الجهاز السمعي. إلا أنه من الجائز دائمًا أن تختلف أوقات المعالجة في الأجزاء العليا من التركيبة المراتبية الإبصارية وفي أمكنة أخرى من الدماغ. وكذلك تكون المعالجة أكثر سرعة لدى الناظرين المدربين مقارنة بمن هم على الفطرة.
 
ونظرا لما يبدو من أن الأساس العصبي للانتباه له دوره في بعض أشكال الوعي الإبصاري، فسيكون عونا لنا أن نكتشف هذا الأساس. وتعد حركة العين نوعا من الانتباه ـ مادامت باحة المجال الإبصاري التي نرى فيها بدرجةٍ عاليةِ المَيْز resolution صغيرةً بشكل ملحوظ ـ يشبه على وجه التقريب نسبة أبعاد ظِفْر الإبهام إلى طول الذراع. وعلى هذا فنحن نُحرِّك أعيننا للتحديق في الشيء مباشرة حتى نراه بوضوح. وتتحرك عيوننا عادة ثلاث أو أربع مرات في كل ثانية. ولكن علماء النفس بيَّنوا أن هناك، على ما يبدو، نوعا أسرع من الانتباه يجول هنا وهناك بمغزى ما حينما تظل أعيننا ثابتة.
 
أما الطبيعة النفسية الدقيقة لآلية هذا الانتباه السريع فهي مثار جدل في الوقت الحاضر. ولكن كثيرًا من المختصين في العلوم العصبية ـ بمن في ذلك < R. ديسميون> وزملاؤه في المعهد القومي للصحة العقلية ـ أثبتوا أن معدل الاضطرام في عصبونات معينة بالجهاز الإبصاري لدى المكاك تعتمد على الشيء الذي ينتبه إليه المكاك في ساحة إبصاره. وعلى هذا، فالانتباه ليس مجرد مفهوم نفسي، بل توجد له أيضا أقران correlates عصبية يمكن ملاحظتها. وقد وجد عدد من الباحثين أن الوسادة pulvinar (وهي إحدى مناطق المهاد البصري) تدخل على ما يبدو في سيرورة الانتباه الإبصاري. ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن المهاد يستحق أن يسمى "عضو الانتباه"، ولكن هذه المكانة بحاجة إلى إثبات.
 
وتكمن المشكلة الكبرى لدينا في تحديد النشاط الدماغي الذي يقابل بشكل مباشر الوعي الإبصاري. وقد اقتُرِح أن كل باحة قشرية مخية تُولِّدُ وعيا يخص فقط الملامح الإبصارية التي تكون "عمودية"، أي مرتَّبة في أكداس أو أعمدة من العصبونات تتعامد مع سطح القشرة. وعلى هذا فإن الباحة V1 تستطيع أن تصنع كودًا code للتوجه، في حين تصنع الباحة MT كودًا للحركة. وإلى الآن ـ وكما بيّن سمير زكي ـ لم يجد المجربون منطقة معينة واحدة في الدماغ تلتقي عندها جميع المعلومات المطلوبة للوعي الإبصاري. وقد سمى دينيث مثل هذا المكان الافتراضي "المسرح الديكارتي". ومن الناحية النظرية فإنه يرى أن هذا المكان غير موجود.
 
ويبدو أن الوعي ليس موزعا فقط على مقياس موضعي، كما في بعض الشبكات العصبية التي وصفها هنتون، بل هو موزع توزيعا أوسع مدى على القشرة المخية الحديثة. ومن غير المحتمل أن يكون الوعي الإبصاري موزعا على كل باحة قشرية؛ لأن بعض الباحات لا تُبْدي أي استجابة للإشارات الإبصارية. فالوعي مثلا قد يرتبط فقط بتلك الباحات التي ترسل اتصالات راجعة بشكل مباشر إلى الباحة V1 أو بشكل بديل إلى الباحات التي ترسل استطالاتها نحو الطبقة الرابعة لباحات أخرى. (وتكون هذه الباحات الأخيرة في المستوى نفسه من التنظيم المراتبي الإبصاري على الدوام).
 
فالقضية الأساسية تكمن إذًا في كيفية تشكيل الدماغ تمثيلاته الكلية من الإشارات الإبصارية. وإذا كان الانتباه مطلوبا للوعي الإبصاري حقا، فإن الدماغ يستطيع أن يشكل تمثيلاته بالانتباه إلى شيء واحد فقط في الوقت نفسه، ومن ثم التحرك بسرعة إلى الشيء الذي يليه. وعلى سبيل المثال، فإن العصبونات التي تحقق تمثيل جميع النواحي المختلفة للشيء المُنْتَبَه إليه يمكنها أن تضطرم معا بسرعة فائقة ولمدة قصيرة، وربما في انبعاثات (هَبّات) سريعة.
 
إن هذا الاضطرام السريع المتزامن fast simultaneous firing قد لا يستثير فقط تلك العصبونات التي ترمز إلى مضامين ذلك الشيء، بل إنه قد يقوّي أيضا ـ وبصورة مؤقتة ـ المشابك ذات الصلة، بحيث يمكن استدعاء هذا النسق الخاص من الاضطرام بسرعة. وهذا شكل من أشكال الذاكرة القصيرة الأمد. وإذا احتاج الأمر إلى حِفْظِ تمثيلٍ واحد فقط في الذاكرة القصيرة الأمد ـ كما يحدث عند تذكر عمل وحيد ـ فإن العصبونات المشتركة في هذا النشاط قد تستمر في الاضطرام بعض الوقت [انظر: "الذاكرة العاملة والعقل"،مجلة العلوم، العدد 5 (1994) ، الصفحة 56].
 
وتنشأ مشكلة أخرى عندما يكون من الضروري الإحاطة الواعية بأكثر من شيء واحد في الوقت نفسه بالضبط. فإذا كانت جميع الصفات المميِّزة لشيئين أو أكثر يتم تمثيلها من قبل عصبونات تضطرم بسرعة، فإن صفاتهما هذه ستتداخل بشكل مشوَّش، بحيث يرتبط لون أحدهما مثلا بشكل الآخر. ويحدث هذا أحيانا في العروض الوجيزة جدا.
 
ومنذ بعض الوقت، اقترح < Ch. ڤون در مالسبرگ> (وهو الآن في جامعة بوخوم) أن هذه الصعوبة سيتم التغلب عليها إذا كانت العصبونات المرتبطة بالشيء الواحد تضطرم بشكل متزامن (أي إذا كانت أزمنة اضطرامها متقارِنة correlated فيما بينها)، ولكن بعيدا عن تزامن العصبونات التي تمثل الأشياء الأخرى. ومؤخرا جدا، ذكر فريقان في ألمانيا أنه يظهر بالفعل حدوث اضطرام متقارن بين العصبونات في القشرة الإبصارية للقط، وغالبا ما يكون ذلك بأسلوب نظمي (إيقاعي) ذي تواتر (تردد) يتراوح مقداره ما بين 35 و 75 ذبذبة في الثانية، أو أحيانا في سوية ذبذبات گاما (g) ذات الأربعين ذبذبة في الثانية.
 
لقد حثَّنا افتراض مالسبرگ أن نقترح أن هذا الاضطرام النظمي والمتزامن قد يكون هو القرين العصبي للوعي، وأنه قد يخدم الربط بين النشاط في الباحات القشرية المختلفة فيما يخص الشيء الواحد نفسه. وهذه المسألة لاتزال غير محسومة، ولكن الأدلة التجريبية المتفرقة والمتوافرة حاليا لا تؤيد هذه الفكرة إلا قليلا. والاحتمال الآخر هو أن الذبذبات ذات الأربعين هرتزا hertz قد تساعد على التمييز بين الشكل والأرضية ground أو تساعد آلية الانتباه.
 
هل هناك أنماط معيّنة من العصبونات تتوزع على القشرة المخية الإبصارية الحديثة ويرمز اضطرامها بشكل مباشر إلى محتوى الوعي الإبصاري؟ تقول إحدى الفرضيات البسيطة جدا: "إن الأنشطة في الطبقات العليا للقشرة المخية تكون غير واعية إلى درجة كبيرة، في حين أن أنشطة الطبقات السفلية (الطبقتين الخامسة والسادسة) تترابط في معظمها بالوعي. وقد تساءلنا فيما إذا كانت العصبونات الهرمية في الطبقة الخامسة من القشرة المخية الحديثة، ولا سيما الضخمة منها، قد تؤدي هذا الدور الأخير.
 
هذه هي العصبونات القشرية الوحيدة التي ترسل أليافا مباشرة ترتسم project بعيدا عن المنظومة القشرية (أي إنها لا ترسل أليافا إلى القشرة الحديثة ولا إلى المهاد ولا إلى العائق claustrum). فإذا كان الوعي الإبصاري يمثل نتائج التقديرات العصبية في القشرة المخية، يمكننا أن نتوقع أن ما ترسله القشرة إلى أي مكان سيرمز إلى تلك النتائج. وأكثر من هذا فإن العصبونات في الطبقة الخامسة تبدي ميلا استثنائيا نوعا ما للاضطرام بشكل انبعاثات (هبّات). ولئن كانت الفكرة القائلة: "إن الطبقة الخامسة قد تمثل بشكل مباشر الوعي الإبصاري" لها جاذبيتها، فإننا مازلنا في مرحلة مبكرة جدا لنحكم على مدى صحتها.
 
من الواضح أن الوعي الإبصاري مشكلة صعبة. ومازلنا في حاجة إلى مزيد من الجهد لاكتشاف الأسس النفسية والعصبية لكل من الانتباه والذاكرة القصيرة الأمد جدا. وقد يكون المساق التجريبي الأقوى لحل هذه المشكلة هو دراسة العصبونات أثناء تغير المدركات على الرغم من بقاء المدخلات الإبصارية ثابتة. وينبغي علينا بناء نظريات بيولوجية عصبية للوعي الإبصاري، ومن ثم اختبارها باستخدام تشكيلة مجتمعة من الدراسات الجزيئية والبيولوجية العصبية والتصويرية السريرية.
 
ونحن نعتقد أننا لو تمكنا يوما من معرفة سر هذا الشكل البسيط من الوعي فقد نقترب من فهم سر مركزي للحياة البشرية، ألا وهو العلاقة بين الأحداث الفيزيائية التي تدور في أدمغتنا أثناء التفكير والتصرف في العالم وبين إحساساتنا الذاتية، أي العلاقة بين الدماغ والعقل.
 
لقد ظهرت بضعة تطورات ذات صلة بهذا الموضوع منذ تمّ نشر هذه المقالة للمرة الأولى. ويبدو الآن من المرجَّح وجود منظومات سريعة ومتكاملة تخص استجابات حركية نمطية التجسيم stereotyped مثل حركة اليد أو حركة العين. فهذه المنظومات غير واعية وتفتقر إلى الذاكرة. وبالمقابل فإن النظر الواعي يبدو أبطأ سرعة وأكثر عرضةً للخداع البصري. فالدماغ يحتاج إلى تكوين تمثيل واعٍ للمشهد الإبصاري الذي يمكن أن يُسْتَخدم لاحقا في عدة أفعال وأفكار مختلفة. ولكن معرفة كيفية عمل جميع هذه المسارات pathways وطرائق تآثرها بعضها مع بعض يبقى أمرا غامضًا.
 
لقد أُجري المزيد من التجارب عن سلوك العصبونات التي تستجيب للمدركات الحسية الإبصارية ذات الاستتباب الثنائي bistable visual percepts مثل منافسة الرؤية بالعينين، ولكن يحتمل أن يكون من السابق لأوانه جدا استخلاص استنتاجات ثابتة من هذه التجارب في شأن المتلازمات (المترابطات) correlates العصبية الدقيقة للوعي الإبصاري. وبالاستناد إلى أسس نظرية مبنية على التشريح العصبي لنسناس المكّاك فقد اقترحنا أن تكون الرئيسيات لا تعي بشكل مباشر ما يحدث في القشرة المخية الإبصارية الأولية primary visual cortex، على الرغم من مرور معظم المعلومات الإبصارية عبر هذه القشرة. ومع أن بعض الأدلة التجريبية تؤيد هذه الفرضية فإن الأمر لايزال موضع تضاربٍ وجدل.
 
________________________________________
 المؤلفان
F. Crick - Ch. Koch
يتشاركان الاهتمام بالدراسة التجريبية للوعي. وقد تعاون كريك مع < J. واتسون> في اكتشاف البنية الحلزونية المضاعفة للدنا DNA. وأثناء وجوده في مختبر مجلس البحث الطبي للبيولوجيا الجزيئية في كامبردج، أجرى تجاربه على الكود الجيني وعلى علم الحياة التطوري. ومنذ عام 1976 بقي في معهد سولك للدراسات البيولوجية بسان دييگو. ويتركز اهتمامه الرئيسي على فهم الجهاز الإبصاري للثدييات. أما كوخ فقد حصل على الدكتوراه في علوم الفيزياء الحيوية من جامعة توبنگن. وبعد قضائه أربع سنوات في معهد ماسّاتشوستس للتقانة التحق بمعهد كاليفورنيا للتقانة، حيث يعمل الآن أستاذا مساعدا في التقديرات computations والمنظومات العصبية. وهو يدرس الآن كيف تُعالِج الخلايا الدماغية المنفردة المعلومات وكذلك الأساس العصبوني للإدراك الحركي والانتباه الإبصاري والوعي. وفي الوقت نفسه يقوم كوخ بعمل تصاميم تحاكي شيپات chips الرؤية للمنظومات الذكائية.
 
________________________________________
مراجع للاستزادة 
PERCEPTION. Irvin Rock. Scientific American Library, 1984.
CONSCIOUSNESS AND THE COMPUTATIONAL MIND. Ray Jackendoff. MIT Press/Bradford Books, 1987.
COLD SPRING HARBOR SYMPOSIA ON QUANTITATIVE BIOLOGY, VOL. LV: THE BRAIN. Cold Spring Harbor Laboratory Press, 1990.
TOWARDS A NEUROBIOLOGICAL THEORY OF CONSCIOUSNESS. Francis Crick and Christof Koch in Seminars in the Neurosciences, Vol. 2, pages 263-275; 1990.
THE COMPUTATIONAL BRAIN. Patricia S. Churchland and Terrence J. Sejnowski. MIT Press/Bradford Books, 1992.
THE VISUAL BRAIN IN ACTION. A. David Milner and Melvyn A. Goodale. Oxford University Press, 1995.
ARE WE AWARE OF NEURAL ACTIVITY IN PRIMARY VISUAL CORTEX? Francis Crick and Christof Koch in Nature, Vol. 375, pages 121-123, May 11, 1995.
 
________________________________________
(*))The problem of Consciousnessوقد نشرت في العدد 5 (1994) من العلوم.
(1) theorists
(2)uncritical introspection

سجل

أقراء هذا الموضوع

مشكلة الوعي
بروتين
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 854



الجوائز
« رد #1 في: 17/01/2009, 22:52:55 »

لغز الخبرة الواعية(*)
وأخيرا شرع علماء الأعصاب في سبر أغوار واحد من أعمق
أسرار الوجود. بيد أن معرفة الدماغ وحده قد لا توصلهم إلى كُنْهِهِ.
<J .D. تشالمرز>
 
تُعدّ الخبرة الواعية conscious experience أكثر الأمور المألوفة في الحياة، وأكثرها غموضا في آن معا. فلا شيء نعرفه معرفة مباشرة أكثر من الوعي، ولكن من الصعب التوفيق بينه وبين أي شيء آخر نعرفه. إننا نتساءل: لماذا يوجد الوعي؟ وما وظيفته؟ وكيف يتسنى له أن ينشأ عن سيرورات process عصبية في الدماغ؟ وتعدُّ هذه الأسئلة من أكثر الأسئلة أهمية في العلم.
 
يمكن فهم الدماغ نسبيا من وجهة نظر موضوعية. فحينما تنظرُ إلى هذه الصفحة، تجد الكثير من السيرورات: ضربُ فوتوناتٍ لشبكية عينك، ثم مرور إشارات كهربائية في عصبك البصري وخلال عدة مناطق من دماغك، وأخيرا فإنك قد تستجيب ببسمة أو بعبسة متحيِّرة أو بتعليق. وهناك أيضا جانب ذاتي؛ فحينما تنظر إلى هذه الصفحة فإنك تعيها لكونك تَخْبَر صورها وكلماتها كجزء من حياتك العقلية الخاصة. يكون لديك أيضا انطباعات جلية عن الأزهار الملونة والسماء المتقلبة، وفي الوقت ذاته قد تشعر ببعض الانفعالات وتكوِّن بعض الأفكار. إن هذه الخبرات جميعها تشكل الوعي: الحياة الداخلية الذاتية للعقل.
 
لقد تجنّب الباحثون الخوضَ في موضوع الوعي سنوات عديدة عند دراسة الدماغ والعقل. وكانت النظرة السائدة أن العلم الذي يعتمد على الموضوعية لا يستطيع استيعاب شيء بهذا القدر من الذاتية subjectivity مثل الوعي. فقد ركَّزت الحركة السلوكية في علم النفس ـ التي سادت في بواكير هذا القرن ـ على السلوك الخارجي، ولم تسمح بأي حديث عن السيرورات العقلية الباطنة. وبعدها أدى ظهور علم المعرفة (الاستعراف) cognitive science إلى تركيز الانتباه على السيرورات التي تجري داخل الرأس. أما الوعي فقد بقي ومازال خارج إطار التناول.
 
ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية، تزايد عدد علماء الأعصاب وعلماء النفس والفلاسفة الرافضين لفكرة كون الوعي شأنا لا يمكن دراسته وحاولوا التنقيب عن أسراره. وكما هو متوقع في مجال جديد كهذا، هناك العديد من النظريات المختلفة والمعقَّدة التي غالبا ما تستَخْدِمُ مفاهيم أساسية بأساليب متنافرة. ومن أجل المساعدة على حل خيوط هذا التعقيد يبدو التفكير الفلسفي أمرا حيويا وأساسيا.
 
وتتراوح الآراء الكثيرة في هذا المجال ما بين نظريات الاختزاليين reductionist الذين يرون إمكانية تفسير الوعي بالطرائق المُقَنِّنة لعلم الأعصاب وعلم النفس ، وبين ما يدّعيه الغموضيون mysterians من استحالة فهم الوعي على الإطلاق. وأعتقد أنه بالاستناد إلى التحليل الدقيق يتبين خطأ كلا الرأيين وأن الحقيقة تحتل مكانا وسطا بينهما.
 
 

قد يكون التحديق في ذواتنا الداخلية أمرا مُحْبِطا

سأجادل ضد الاختزالية بأن أدوات علم الأعصاب لا تستطيع تقديم تفسير كامل للخبرة الواعية مع أنها تمتلك الكثير لتقديمه، كما سأتمسك ضد الغموضية بأن الوعي يمكن تفسيره بنظرية من نوع جديد. صحيح إن التفاصيل الكاملة لمثل هذه النظرية لاتزال بعيدة المنال؛ ولكن التفكير المتأنّي، إلى جانب بعض الاستدلالات المعرفية، يمكن أن يكشفا شيئا ما من طبيعتها العامة. فمثلا، ربما تتضمن هذه النظرية قوانين أساسية جديدة، وقد يؤدي مفهوم المعلوماتية دورا مركزيا فيها. وتوحي مثل هذه الومضات بما يكون لنظرية كهذه حول الوعي من عواقب مفزعة في شأن نظرتنا إلى الكون وإلى أنفسنا.
 
 

  يعرف عالم الأعصاب المنعزل في غرفة سوداء وبيضاء كلَّ شيء عن الكيفية التي يعالج بها الدماغ الألوان، ولكنه لا يعرف ماذا تشبه تلك الألوان لكي يراها. وتوحي هذه الخطة بأن معرفة الدماغ لا تعطي معرفة كاملة بالخبرة الواعية.

المشكلة الصعبة
يستعمل الباحثون كلمة الوعي بأشكال مختلفة. وحتى تتضح الأمور، علينا أولا أن نفصل المشكلات التي غالبا ما تتجمع تحت هذا الاسم. ومن أجل هذا الغرض، أرى من المفيد أن نميز بين «المشكلات السهلة» و«المشكلة الصعبة» في الوعي. أما الأولى فليست تافهة على الإطلاق (إذ إنها تمتلك من التحدي في الواقع ما تمتلكه أكبر مشكلات علم النفس والبيولوجيا)، ولكن المشكلة الصعبة هي التي يكمن فيها الغموض المركزي.
 
تتضمن المشكلات السهلة للوعي ما يلي: كيف يستطيع الإنسان أن يميّز المنبهات الحسية، وأن يستجيب لها بشكل مناسب؟ وكيف يحقق الدماغ التكامل بين المعلومات الواردة من عدة مصادر مختلفة، ويستخدم هذه المعلومات للتحكم في السلوك؟ وكيف يستطيع الأفراد التعبير بالكلام عن حالاتهم الداخلية؟ ومع أن هذه الأسئلة تكون مصحوبة بالوعي، فإنها جميعا تخص الآليات الموضوعية للمنظومة المعرفية cognitive system. ومن ثم، فإننا نمتلك جميع الأسباب لأن نتوقع أن يجيب العمل المستمر في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب عن هذه الأسئلة.
 
 

قد يبقى الوعي، الذي هو الخبرة الشخصية عن الذات الداخلية، ظاهرة خارج متناول علم الأعصاب إلى الأبد. وحتى الإلمام التفصيلي بآليات عمل الدماغ والقرائن العصبية للوعي قد يفشل في تفسير كيفية وسبب امتلاك البشر عقولا تعي ذاتها.
وعلى النقيض من ذلك، فإن المشكلة الصعبة هي السؤال عن الكيفية التي تقوم بها السيرورات الفيزيائية(1) في الدماغ لتكون السبب في الخبرة الذاتية. فعندما نرى، على سبيل المثال، نَخْبَر إحساسات بصرية مثل اللون الأزرق الزاهي؛ أو نفكر في صوت المزمار البعيد الذي يفوق الوصف أو كرب الألم المبرح أو بريق السعادة أو الخاصية التأملية للحظة الاستغراق في التفكير. إنها جميعا جزء مما أسميه الوعي. إن هذه الظواهر هي ذاتها التي تطرح السر الحقيقي للعقل.
 
لعل علم الأعصاب قادر على شرح الوعي وتفسيره
<F. كريك> ـ <Ch. كوخ>
إننا نعتقد في الوقت الحالي أن أفضل مدخل لمشكلة تفسير الوعي يتمثل في التركيز على اكتشاف ما يُعرف بالمتعلقات العصبية neural correlates للوعي، أي ما يجري في الدماغ من سيرورات تعتبر المسؤولة مباشرة عن الوعي. فإذا حددنا مواقع الخلايا العصبية في القشرة المخية التي ترتبط جيدا بالوعي، وتعرَّفنا أسلوب اتصالها بالخلايا العصبية الأخرى في أرجاء الدماغ، فقد نتوصل إلى الفهم الأساسي لما يدعوه <J .D. تشالمرز> «المشكلة الصعبة»: ألا وهي الوصف الكامل للطريقة التي تنشأ بها الخبرة الذاتية انطلاقا من هذه السيرورات المخية.
إننا نُطْري على تشالمرز تعرُّفه الجسور وتركيزه على المشكلة الصعبة في هذه المرحلة المبكرة، وإن كنا غير متحمسين لبعض تجاربه الفكرية. وفي رأينا فإنه يمكن تقسيم المشكلة الصعبة إلى بضعة أسئلة: لماذا نَخْبَرُ الأشياء أصلا؟ وما الذي يقودنا إلى خبرة واعية معينة (مثل «الزرقة» لما هو أزرق)؟ ولماذا يستحيل نقل بعض جوانب الخبرة الذاتية إلى الناس الآخرين (وبكلمات أخرى لماذا تكون هذه الجوانب خاصة)؟ نعتقد أننا نمتلك جوابا عن هذه المسألة الأخيرة مثلما نمتلك اقتراحا للمسألتين الأوليين يدور حول ظاهرةٍ تُعْرف بالتمثيل العصبوني الصريح(2).
ماذا نعني «بالصريح» في هذا السياق؟ لعل أفضل طريق لتعريفه إنما يكون من خلال مثال عليه. فبالاستجابة لصورة وجه ما، على سبيل المثال، تنبعث الدفعات إلى الخلايا العقدية ganglion cells في أرجاء شبكية العين، على نحو يشبه جدا العنصورات (الپيكسلات) على شاشة التلفزيون، لتعطي وصفا ضمنيا للوجه. وفي الوقت نفسه تستطيع الخلايا العقدية أن تستجيب أيضا للعديد من المعالم الأخرى في الصورة (مثل الظلال والخطوط والضياء غير المتجانس وغيرها). وعلى النقيض من ذلك فإن بعض الخلايا العصبية العالية في سلم الترتيب للقشرة المخية البصرية تستجيب أساسا للوجه، أو حتى للوجه المشاهد من زاوية معينة. وتساعد مثل هذه الخلايا العصبية الدماغَ على تقديم الوجه بطريقة صريحة (ظاهرة). ويؤدي فقدان هذه الخلايا (بسبب سكتة دماغية أو أذية أخرى في الدماغ) إلى عَمَهِ تشخيص الوجوه prosopagnosia، الذي يعني عجز الفرد عن تعرُّف الوجوه المألوفة له بشكل واع، وحتى وجهه هو نفسه، وإن كان الشخص لايزال يستطيع تحديد الوجه كوجه. وعلى نحو مشابه، يمكن أن تؤدي الأذية في أقسام أخرى من القشرة المخية البصرية إلى فقدان قدرة المرء على خبرة اللون، في حين أنه لايزال يرى الأشياء في ظلال من الأسود والأبيض على الرغم من عدم وجود عيب في المستقبلات اللونية بالعين.
وفي كل مرحلة، يعاد تكويد المعلومة البصرية، تماما مثل الأصل في طريقة شبه مرتبة ترتيبا هرميا. وتستجيب الخلايا العقدية في الشبكية لبقعة من الضوء. إن العصبونات في القشرة المخية البصرية الأولية أكثر ما تكون براعة في الاستجابة للخطوط والحواف edges في حين تفضِّل العصبونات الأكثر علوّا من سابقتها الكفاف contour المتحرك؛ أما الخلايا العصبية الأكثر علوا من سابقتها، فهي تلك التي تستجيب للوجوه والأشياء المألوفة الأخرى. وتقع في القمة تلك الخلايا المسؤولة عن التركيب قبل الحركي pre-motor structure والحركي في الدماغ، حيث تنبعث الدفعات إلى الخلايا العصبية التي تبدأ منها أفعال مثل الكلام وتفادي حافلة مقتربة.
يعتقد تشالمرز، مثلما نعتقد نحن، أن الجوانب الذاتية للخبرة لا بد أن تكون على علاقة وثيقة بانبعاث الدفعات الموصلة للخلايا العصبية المقابلة لتلك الجوانب (المتعلقات العصبية). ويصف تشالمرز تجربة فكرية معروفة جيدا، تدور حول عالمة أعصاب مُفترَضة اسمها ماري، متخصصة في إدراك الألوان من دون أن يسبق لها رؤية لون ما. ولكننا نعتقد أن سبب عدم معرفة ماري ماذا يشبه رؤية لون ما، إنما يعود إلى كونها لم تمتلك يوما أي وصف عصبي صريح للون في دماغها، فكل ما تمتلكه في هذا الشأن الكلمات والأفكار المرتبطة بالألوان.
ومن أجل وصف خبرة ذاتية بصرية، لا بد من تحول المعلومات إلى مرحلة الخَرْج الحركي motor output stage للدماغ حيث تصبح متاحة للتعبير بالكلام أو الأفعال الأخرى. ويتضمن هذا التحول على الدوام إعادة تكويد المعلومات، لذا فإن المعلومة الصريحة المعبر عنها من خلال الخلايا العصبية الحركية ترتبط، لكن ليس بشكل تام، بالمعلومة الصريحة المعبَّر عنها من خلال الشحنة الموصلة للخلايا العصبية المرتبطة بخبرة اللون، في بعض مستويات التنظيم الهرمي البصري.
وهكذا فليس من الممكن أن ننقل بدقة بالكلمات والأفكار طبيعة الخبرة الذاتية، بل من الممكن نقل الفروق بين الخبرات الذاتية ـ بهدف التمييز بين الأحمر والبرتقالي مثلا. ويعد هذا ممكنا بسبب أن الفرق في منطقة القشرة البصرية العالية المستوى، سيظل مرتبطا بالفرق بين المراحل الحركية. ونصل من ذلك إلى أننا لن نستطيع إطلاقا أن نشرح للناس الآخرين طبيعة أي خبرة واعية، وإنما شرح علاقتها بالخبرات الواعية الأخرى.
أما بالنسبة للسؤالين الآخرين المتعلقين بلماذا نمتلك خبرات واعية، وما الذي يؤدي إلى خبرات محددة، فيبدوان أكثر صعوبة. ويقترح تشالمرز بهذا الصدد أنهما يتطلبان تقديم الخبرة على أنها معلم أساسي جديد للعالَم يتعلق بقدرة الكائن المتعضي على معالجة المعلومات. ولكن، أيُّ أنماطٍ من معلومات الخلايا العصبية يولد الوعي؟ وما الذي يجعل نمطا معينا من المعلومات يقابل زرقة الأزرق بدلا من خضرة الأخضر؟ إن مثل هذه المشكلات تبدو صعبة بقدر صعوبة أي مشكلة في نطاق دراسة الوعي.
إننا نفضل مدخلا بديلا يتضمن مفهوم المعنى. فإذا تساءلنا، بأي إحساس تستطيع الخلايا العصبية التي تكود الوجه بشكل صريح أن تنقل معنى الوجه إلى سائر الدماغ؟ إن مثل هذه الخاصية يجب أن تتعلق بالمجال الإسقاطي projective field للخلية، أي بنموذج مركز اتصالات الخلايا العصبية التي تكوِّد بشكل صريح الأفكار المرتبطة بها. وفي النهاية، تمتد هذه التوصيلات إلى الخرج الحركي motor output. فمثلا، قد تكون الخلايا العصبية التي تستجيب لوجه معين على اتصال بالخلايا العصبية التي تعبر عن اسم الشخص صاحب ذلك الوجه، وكذلك على اتصال بالخلايا العصبية المسؤولة عن صوته وعن الذكريات التي تحويها وغير ذلك. ويجب أن تكون هذه الارتباطات بين الخلايا العصبية مفيدة سلوكيا، أي إنها بكلمات أخرى، لا بد أن تكون متسقة مع تغذية راجعة من الجسم والعالم الخارجي.
إن المعنى الذي نستمده من نسق الرابطة بين هذه المتشابهات والأخرى التي تنتشر في أرجاء المنظومة القشرية في شبكة ارتباطية واسعة، يماثل القاموس أو قاعدة البيانات المترابطة. فكلما تنوعت هذه الاتصالات ازداد ثراء المعنى، فكما في مثالنا السابق عن عَمَه تشخيص الوجوه، إذا أعيقت مخرجات توصيلات الخلايا العصبية لهذا الوجه فستبقى الخلايا تستجيب لوجه الشخص ولكن لن يرافق الاستجابة معنى ولذلك تقل الخبرة إلى حد كبير. وهكذا يمكن رؤية الوجه ولكن لا يتم تعرفه.
وبالطبع، يمكن أن تتولى مجموعات الخلايا العصبية وظائف جديدة تسمح للدماغ بأن يتعلم أنماطا جديدة (ومنها الوجوه) وأن يربط أنماطا جديدة بتلك القائمة. وتعتبر بعض الارتباطات الأولية، مثل الألم إلى حد ما، فطرية. لكنها تُصْقل فيما بعد أثناء الحياة.
قد تكون المعلومات حقا هي المفهوم الأساسي حسبما يظن تشالمرز. ولكن تأكيد ذلك سيتطلب مراعاة مسارات متوازية بدقة من المعلومات تترابط معا مثل الخلايا العصبية في شبكات معقدة. وسيكون من المفيد أن نحاول تحديد المعالم التي ينبغي أن تتخذها الشبكة العصبية (أو غيرها مثل التضمين الحاسوبي computational embodiment) كيما تنتج معنى. ومن الممكن أن تقترح مثل هذه المجهودات الأساس العصبي للمعنى. وعندئذ قد تظهر المشكلة الصعبة للوعي بمنظور جديد تماما،  أو حتى ربما تختفي.
 كريك أستاذ أبحاث متميز في معهد سولك للدراسات البيولوجية بسان دييگو. أما كوخ فأستاذ الحاسوب والمنظومات العصبية في معهد كاليفورنيا للتقانة.


 

ينبه مثلث كانيزا kaniza triangle الخلايا العصبية التي تكوِّد بشكل صريح حدود هذا الشكل الخادع.
 
ومن أجل إيضاح ذلك التمييز سندرس «تجربة فِكْرٍ» ابتكرها الفيلسوف النمساوي <F. جاكسون>. لنفترض أن ماري هي عالمة أعصاب في القرن الثالث والعشرين وتتميز بكونها خبيرة عالمية رائدة في عمليات الدماغ المسؤولة عن رؤية الألوان. ولكن ماري أمضت عمرها كله في غرفة بالأبيض والأسود، ولم تر قط أي لون آخر. إنها تعرف كل شيء ينبغي معرفته عن السيرورات الفيزيائية في الدماغ (بيولوجيته وبنيته ووظيفته). إن هذا الفهم يمكِّنها من أن تستوعب كل شيء ينبغي معرفته عن المشكلات السهلة: الطريقة التي يميز الدماغ بها المنبهات، ويكامل بها المعلومات، وينتج بها التقارير اللفظية. ومن معرفتها برؤية اللون فهي تعرف الطريقة التي تقابل بها أسماء الألوان الأطوال الموجية في الطيف الضوئي. ولكن يبقى هناك أمر أساسي حول رؤية اللون تجهله ماري: ألا وهو ما عساها أن تشبه خبرة لون ما كالأحمر. وهذا يعني أن هناك حقائق عن الخبرة الواعية لا يمكن استنباطها من الحقائق الفيزيائية المتعلقة بوظائف الدماغ.
 
حقا، لا أحد يعرف مطلقا لماذا يصحب هذه السيرورات الفيزيائية خبرة واعية. لماذا تتملكنا خبرة الأرجواني القاتم حينما تعالج عقولنا ضوءا ذا طول موجة معينة؟ ولماذا نمتلك أي خبرة أصلا؟ ألم يكن في مقدور اللاوعي الذاتيِّ العملَ (الأوتوماتي) automaton أن ينجز المهام ذاتها كذلك؟ هذه هي الأسئلة التي نتمنى أن تجيب عنها نظرية الوعي.
 
هل يكفي علم الأعصاب؟
إنني لا أنكر أن الوعي ينشأ عن الدماغ. فنحن نعرف، على سبيل المثال، أن الخبرة الذاتية للرؤية ذات صلة وثيقة بسيرورات تتم في القشرة المخية البصرية. ولكن هذه الصلة نفسها هي التي تحير أفكارنا. ومما يلفت الانتباه، أن الخبرة الذاتية ـ على ما يبدو ـ تنبثق من سيرورة فيزيائية ولكننا لا نمتلك أي فكرة عن كيفية ذلك وسببه.
 
وبالنظر إلى الفورة التي تشهدها البحوث الحديثة في علم الأعصاب وعلم النفس حول الوعي، فقد يفكر المرء أن هذا السر بدأ ينجلي. ولكن الفحص الدقيق يبين أن جميع البحوث التي تُجرى حاليا تتجه نحو المشكلات السهلة للوعي فحسب. إن الاطمئنان إلى آراء الاختزاليين يأتي من التقدم في المشكلات السهلة، ولكن ما من رأي منها يقدم شيئا ذا بال يتعلق بالمشكلة الصعبة.
 
دعونا نتناول الفرضية التي وضعها عالِما البيولوجيا العصبية <F. كريك> (من معهد سولك لدراسات علم الحياة في سان دييگو) و <Ch. كوخ> (من معهد كاليفورنيا للتقانة). فهما يقترحان أن الوعي يمكن أن ينشأ عن ذبذباتٍ في قشرة المخ تصبح متزامنة عندما تقوم الخلية العصبية (العصبون) بابتعاث 40 دفعة عصبية في الثانية. ويعتقد كريك وكوخ أن هذه الظاهرة قد تفسر كيف يمكن للصفات المختلفة لشيء واحد مُدرك (شكله ولونه مثلا)، والتي تتم معالجتُها في أجزاء مختلفة من الدماغ، أن تدمج في كلٍّ متكامل. وفي هذه النظرية يتم الربط بين معلومتين إحداهما بالأخرى بإحكام حينما تقدمهما الدفعات العصبية المتزامنة.
 
 

تبين تغيرات التدفق الدموي في القشرة المخية الإبصارية كيفية استجابة دماغ الشخص المفحوص للنموذج الذي يشاهده ذلك الشخص. وتُظهر الألوان في هذه الصورة نشاط القشرة المخية الذي يقابل ما يشاهده الشخص المفحوص من كل من النصف الشاقولي أو النصف الأفقي للنموذج. وتوضح هذه التجربة المتعلقات العصبية للخبرة البصرية، وقد تكون مثل هذه الخبرات أساس الوعي
 
تستطيع هذه الفرضية، في حدود التصور، أن تجلو إحدى المشكلات السهلة بشأن الكيفية التي يتم فيها تكامل المعلومات في الدماغ؛ ولكن لماذا تسبب الذبذبات المتزامنة خبرة بصرية مهما كان مقدار التكامل الذي يحدث؟ يتضمن هذا السؤال مشكلة صعبة لا تقدم تلك النظرية بشأنها أي شيء. وفي الواقع فإن كريك وكوخ لا يعرفان إن كانت هذه المشكلة الصعبة يمكن أن يحلها العلم في أي وقت. [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 25 ].
 
يمكن أن ينطبق النقد نفسه على معظم البحوث الحديثة عن الوعي. ففي كتابه تفسير الوعي Consciousness Explained، الذي نشر عام 1991، وضع الفيلسوف <C. دينيت> نظرية متطورة حول كيفية ترابط السيرورات المستقلة العديدة في الدماغ لتنتج استجابة متماسكة تجاه الحدث event الذي يدركه. ويمكن لهذه النظرية أن تقدم الكثير لتفسير كيفية إخراجنا تقارير لفظية عن حالاتنا الداخلية، ولكنها لا تخبرنا إلا القليل عن سببية ضرورة وجود خبرة ذاتية وراء هذه التقارير. إن نظرية دينيت، شأنها شأن نظريات الاختزاليين الأخرى، هي نظرية للمشكلات السهلة.
 
إن السمة العامة بين هذه المشكلات السهلة أنها تتناول في مجموعها الطريقة التي يتم بها إنجاز الوظيفة السلوكية أو المعرفية. إنها جميعا أسئلة تدور في النهاية حول الطريقة التي ينفذ بها الدماغ بعض المهمات: كيف يميز المنبهات ويكامل المعلومات وينتج التقارير وغيرها. وما إن تحدد البيولوجيا العصبية الآليات العصبية الملائمة، مبينة الطريقة التي يتم بها إنجاز هذه الوظائف، حتى تكون المشكلات السهلة قد حُلَّت.
 
وعلى النقيض من ذلك فإن مشكلة الوعي الصعبة تقع بعيدا عن مشكلات كيفية إنجاز تلك الوظائف. فحتى لو نجحنا في تفسير كل وظيفة سلوكية ومعرفية للوعي، فإنه سيبقى هناك غموض آخر يتعلق بسببية إنجاز هذه الوظائف مصحوبا بخبرة الوعي. ولعل هذا اللغز الإضافي هو ما يجعل المشكلة الصعبة صعبة.
 
الهوة التفسيرية
ولحل المشكلة الصعبة اقترح عدد من الباحثين تقديم وسائل جديدة للتفسير الفيزيائي مثل الديناميك اللاخطي nonlinear dynamics أو المكتشفات الجديدة في علم الأعصاب أو الميكانيك الكمومي. ولكن هذه الأفكار تعاني تماما الصعوبة ذاتها. فلنأخذ اقتراحا تقدَّم به <R .S. هامروف> (من جامعة أريزونا) و<R. پنروز> (من جامعة أكسفورد)، حيث اعتقدا أن الوعي ينشأ عن سيرورات فيزيائية كمومية تحدث في الأُنَيْبيبات الميكروية microtubules التي هي بنى بروتينية داخل الخلايا العصبية (العصبونات). ويمكن ـ إن لم يكن من المحتمل ـ أن تقود مثل هذه الفرضية إلى تفسير كيفية اختيار الدماغ للقرارات أو حتى كيفية برهانه على القضايا الرياضياتية، حسبما يقترح هامروف وپنروز. ولكن حتى لو صح ذلك فإن هذه النظرية تصمت عما يتعلق بالكيفية التي يمكن لهذه السيرورات عبرها أن تسبب الخبرة الواعية. وفي الواقع، تنشأ المشكلة نفسها مع كل نظرية للوعي مبنية على السيرورات الفيزيائية فقط.
 
تكمن الصعوبة هنا في أن النظريات الفيزيائية هي الملائمة أكثر لتفسير سببية امتلاك الأجهزة بنيةً فيزيائية معينة. إن معظم المشكلات في العلوم لها هذا الشكل؛ فمن أجل تفسير الحياة، على سبيل المثال، نحتاج إلى وصف الكيفية التي تتنامى بها منظومة فيزيائية وتتلاءم وتقوم بسيرورات الهدم والبناء. ولكن الوعي مشكلة من نوع مختلف تماما لكونه يذهب إلى أبعد من مجرد تفسير البنية والوظيفة.
 
إن علم الأعصاب ليس بالطبع منقطع الصلة عن دراسة الوعي. فقد يكون أولا قادرا على كشف طبيعة المتعلقات العصبية للوعي، إذ إن السيرورات الدماغية ترتبط مباشرة بالخبرة الواعية. ويمكن لعلم الأعصاب أن يعطينا أيضا المطابقة التفصيلية بين سيرورات محددة في الدماغ وبين المكونات المتعلقة بالخبرة. ولكن إلى أن نعرف ذات يوم لماذا تسبب هذه السيرورات خبرة واعية، فلن نكون قد اجتزنا ما دعاه الفيلسوف <J. ليڤين> الهوّة التفسيرية بين السيرورات الفيزيائية والوعي. وسيتطلب تحقيق تلك القفزة نظرية من نوع جديد.
 
تبرز في نطاق البحث عن بديل ملاحظةٌ رئيسية تتمثل في أنه لا يمكن تفسير جميع كينونات العلم بلغة الكينونات الأكثر أساسية منها. ففي الفيزياء مثلا، يعتبر الزمان والمكان والكتلة والشحنة وغيرها معالم (سمات) جوهرية للعالَم، باعتبارها لا تُختزَل إلى أي شيء أبسط منها. وعلى الرغم من عدم قابلية الاختزال هذه، فإن هناك نظريات مفيدة ومفصلة تربط هذه الكينونات إحداها بالأخرى بلغة القوانين الأساسية. وتفسِّر هذه المعالم والقوانين معا التنوع الكبير للظواهر المعقدة والمراوغة.
 
ثمة اعتقاد واسع بأن الفيزياء تقدم فهرسا كاملا لقوانين ومعالم الكون الأساسية. وباعتباره أحد الفيزيائيين يقدم <S. واينبرگ> في كتابه الذي يحمل عنوان أحلام النظرية النهائية Dreams of a Final Theory، المنشور عام 1992، هدف الفيزياء على أنه «نظرية كل شيء» بحيث يُشْتَقّ منها كل ما نريد معرفته عن الكون. ولكن واينبرگ يسلِّم بوجود مشكلة مع الوعي. وعلى الرغم من قوة النظرية الفيزيائية، فإن وجود الوعي لا يبدو أنه مشتق من القوانين الفيزيائية. فهو يدافع عن الفيزياء بمجادلته أنها يمكن أن تفسر في نهاية المطاف ما يدعوه المتعلقات الموضوعية للوعي (أي المتعلقات العصبية neural correlates)، ولكن قيامه بذلك لا يعني بالطبع تفسير الوعي نفسه. فإذا كان وجود الوعي لا يمكن اشتقاقه من القوانين الفيزيائية، فإن نظرية في الفيزياء لا تعد نظرية صالحة لكل شيء، وبذلك فإنه لا بد للنظرية النهائية من أن تحوي مكونا أساسيا إضافيا.
 
نظرية حقيقية لكل شيء
من هذه النهاية أقترِحُ اعتبار الخبرة الواعية خاصية أساسية لا تُختزل إلى أي شيء آخر أساسي. وقد تبدو هذه الفكرة غريبة لأول وهلة، ولكن الاتساق يتطلبها؛ إذ تبين في القرن التاسع عشر أن الظواهر الكهرمغنطيسية لا يمكن تفسيرها في ضوء المبادئ المعروفة من قبل. وتبعا لذلك، قدم العلماء الشحنة الكهرمغنطيسية على أنها كينونة أساسية جديدة ودرسوا القوانين الأساسية المصاحبة لها. وينبغي تطبيق مثل هذا الاستدلال المنطقي على الوعي. وإذا لم تستطع النظريات الأساسية القائمة الإحاطة به، فإن الأمر يتطلب شيئا جديدا في هذا الشأن.
 
وحيثما توجد خاصية أساسية توجد كذلك قوانين أساسية. وفي هذه الحالة يجب على القوانين ربط الخبرة بعناصر النظرية الفيزيائية. ولن تتعارض هذه القوانين بالتأكيد مع العالَم الفيزيائي، فهذه الأخيرة يبدو أنها تشكل منظومة مغلقة خاصة بها. والأصح أن القوانين المعنية ستعمل كجسر يحدد كيفية اعتماد الخبرة على السيرورات الفيزيائية التي تستند إليها. وهذا الجسر ذاته هو الذي سيجتاز بنا الهوة التفسيرية.
 
وهكذا سيكون للنظرية الكاملة مكوِّنان هما: القوانين الفيزيائية التي تتناول سلوك المنظومات الفيزيائية من صغيرها المتناهي إلى كبيرها الكوني، وما يمكن أن ندعوه القوانين النفسية الفيزيائية (السيكوفيزيائية) psychophysical التي تتناول كيفية اقتران بعض هذه المنظومات بالخبرة الواعية. وسيؤلف كلا هذين المكونين نظرية صالحة لكل شيء.
 
 

ترتب عجلةُ الألوان مختلف الألوان بحيث إن ما نَخْبَره على أنه متماثل يكون متقاربا. وكذلك تضاهي الألوانَ المتقاربة التشابهاتُ الإدراكية المتماثلة في الدماغ.
 
لنفترض وجود هذين المكوِّنين في الوقت الحاضر، ولنتساءل: كيف يمكننا اكتشاف مثل هذه القوانين النفسية الفيزيائية؟ إن أكبر عقبة في وجه هذه المتابعة ستكمن في الافتقار إلى البيانات. وانطلاقا من وصفي للوعي بأنه ذاتي، فلا يوجد طريق مباشر لرصده مع غيره. ولكن هذه الصعوبة هي مجرد عقبة وليست نهاية مسدودة. وكبداية، فإن لكل منّا حق الاقتراب من خبراتنا الخاصة التي تعتبر نفائس يمكن استخدامها في صياغة نظريات حول الموضوع. ويمكننا كذلك أن نركن بشكل معقول إلى معلومات غير مباشرة مثل وصف الأفراد لخبراتهم. كما يمكن أن تؤدي المناقشات الفلسفية والتجارب الفكرية دورا في هذا الصدد. صحيح، إن لمثل هذه الطرائق قيودها ولكنها مع ذلك تعطينا ما يفوق الكفاية للشروع.
 
لن تكون هذه النظريات قابلة للاختبار في صورة نهائية، وبذلك فلا مفر من أن تكون أكثر تأملية من تلك المنظومات العلمية التقليدية. ومع ذلك، فليس من سبب لقسرها بقوة على تفسيرٍ دقيقٍ لخبراتنا الخاصة بأنفسنا، أو للبراهين المستخلصة من تقارير الأفراد. فإذا وجدنا نظرية تناسب البيانات على نحو أفضل من غيرها من النظريات التي تجاريها في البساطة، فسيكون لدينا سبب وجيه لقبولها. وفي الوقت الحاضر فإننا لا نمتلك ولا حتى نظرية واحدة تناسب البيانات، وبذلك يكون الانزعاج حول قابلية الاختبار أمرا سابقا لأوانه.
 
ويمكن أن نبدأ بالبحث عن قوانين عالية المستوى، تربط السيرورات الفيزيائية بالخبرة اليومية. ويمكن أن يكون الإطار الأساسي لمثل هذا القانون محصلة ملاحظة أننا عندما نكون على وعي بشيء نكون قادرين على التصرف بناء عليه، وأن نتحدث عنه، وهاتان وظيفتان فيزيائيتان موضوعيتان. وعلى العكس من ذلك، فعندما تتوافر معلومة مباشرة للتصرف والحديث فهذا بصفة عامة وعي. وهكذا يرتبط الوعي جيدا بما يمكن أن نسميه «الدراية» awareness، ونعني بذلك تلك السيرورة التي بوساطتها تكون المعلومات التي في المخ متاحة كلية للسيرورات الحركية مثل الكلام والفعل الجسماني.
 
الدراية الموضوعية
قد تبدو الفكرة تافهة. ولكن حسب تعريفنا هنا، فإن الدراية أمر موضوعي وفيزيائي، في حين أن الوعي ليس كذلك. ويلزمنا بعض التهذيب لتعريف الدراية هذه، حتى يشمل المفهوم الحيواناتِ والأطفال الذين لا يستطيعون الكلام. ولكن يمكن، في بعض الحالات المألوفة على الأقل، أن نرى الخطوط العريضة لقانون نفسي فيزيائي مفاده أنه حيثما توجد الدراية يوجد الوعي والعكس بالعكس.
 
وكيما نمد خط التفكير هذا خطوة أبعد يجب النظر إلى البنية الموجودة في الخبرة الواعية. فعلى سبيل المثال، تكون خبرة مجال الرؤية فسيفساء متبدلة باستمرار من الألوان والأشكال والنماذج، وبذلك تكون لها بنية هندسية مفصلة. وتوحي حقيقة كوننا نستطيع وصف هذه البنية (بما يتناول العديد من مكوناتها وإنجاز أفعال أخرى تعتمد عليها) بأن تلك البنية تتناظر مباشرة مع تلك المعلومات المتاحة في الدماغ عبر السيرورات العصبية للدراية.
 
رقصة الكواليا في دماغ صنعي
هناك سؤال يجده العديد من الناس آسرا وحقيقيا، ويدور حول ما إذا كان الوعي ينشأ في منظومة تركيبية معقدة. ومع أنه قد تمر عقود أو حتى قرون من السنين قبل أن تنشأ مثل هذه المنظومة، فهناك تجربة فكرية بسيطة تقدم دليلا قويا على أن الدماغ الصنعي إذا ما تم تنظيمه بشكل مناسب، سيمتلك بالضبط النوع نفسه من الخبرات الواعية التي يمتلكها الإنسان.
لندرس منظومة ذات أساس سليكوني تُنظَّم فيها الشيپات وتُوظَّف بنفس طريقة الخلايا العصبية في دماغك، بمعنى أن كل شيپة في المنظومة السليكونية تفعل تماما ما تفعله نظيرتها الطبيعية، كما أنها تتصل بالعناصر المحيطة بها بالأسلوب نفسه بالضبط. عندئذ سيكون السلوك الذي تبديه هذه المنظومة الصنعية مماثلا تماما لسلوكك. ويبقى السؤال المهم: هل تكون هذه المنظومة واعية بالكيفية نفسها التي أنت عليها؟
دعونا نفترض، لغرض المناقشة، أنه لن تكون المنظومة كذلك (هنا نستعمل طريقة للتفكير تدعى الدليل غير المباشر reductio adabsurdum أو البرهنة بالنقيض، التي تقبل فيها الفرضية المعاكسة ثم يتبين أنها تقود إلى نتيجة يتعذر الدفاع عنها)؛ أي إما أن تمتلك المنظومة خبرات مختلفة: (مثال خبرة الأزرق عندما تشاهد أنت الأحمر)، أو لا تمتلك خبرة على الإطلاق. فلندرس الحالة الأولى، إن التفكير يسير بشكل متشابه في كلتا الحالتين.
لما كان للشيپات والخلايا العصبية الوظيفة نفسها، فيمكن استبدال إحداهما بالأخرى مع الالتقاء الصحيح. وبذلك تستطيع الشيپات أن تحل محل الخلايا العصبية بحيث تعطي سلسلة متصلة من الحالات تحل فيها الشيپات محل نسب من الخلايا العصبية متتابعة الكِبَر. ومن خلال هذه السلسلة المتصلة فإن الخبرة الواعية للمنظومة ستتغير أيضا. فمثلا يمكن أن نستبدل جميع الخلايا العصبية في قشرتك المخية البصرية لتحل محلها نسخة مطابقة منظَّمة مصنوعة من السليكون. وهنا سيمتلك الدماغ الناجم، الذي يحمل قشرة مخية بصرية صناعية، خبرة واعية تختلف عن الخبرة الأصلية: فحيث كنت ترى الأحمر في السابق يمكنك الآن أن تَخْبَرَ الأرجواني (أو ربما اللون القرمزي الباهت في حالة كون المنظومة السليكونية بأكملها لا تمتلك خبرة على الإطلاق).
وبعد ذلك، يتم وصل القشرتين المخيتين البصريتين إلى دماغك بوساطة مفتاح ثنائي الوضع. ففي أحد الوضعين تستخدم القشرة المخية البصرية الطبيعية، وفي الوضع الآخر يتم تفعيل القشرة المخية الصنعية. فلدى الضغط على المفتاح تتبدل خبرتك من الأحمر إلى الأرجواني والعكس بالعكس؛ ولدى الضغط على المفتاح بشكل متكرر «تتراقص» خبراتك بين حالتي الوعي المختلفتين (الأحمر والأرجواني).
ولكن، بما أن منظم دماغك لم يتبدل، فإنه قد لا يحدث تبدل سلوكي لدى التخلي عن المفتاح. ولذا عندما تُسأل عما تراه فإنك ستقول إنه لم يتغير شيء وستؤكد أنك ترى الأحمر وأنك لا ترى سوى الأحمر، على الرغم من تراقص اللونين أمام عينيك. وهذه النتيجة غير معقولة أبدا بحيث يفضل اعتبارها الدليل غير المباشر للافتراض (الادعاء) الأصلي بأن المنظومة الصنعية ذات التنظيم والوظيفة المطابقين، تمتلك خبرة واعية تختلف عن الخبرة الواعية للدماغ العصبي. ويرسِّخ سحب هذا الافتراض ما هو عكسه، بمعنى أن المنظومات ذات التنظيم المتماثل تمتلك الخبرة الواعية نفسها.
 

في التجربة الفكرية قد تومض التفاحة من الأحمر إلى الأزرق.

 
وعلى نحو مشابه، فإن خبراتنا عن اللون تمتلك بنية داخلية ثلاثية الأبعاد تنعكس في بنية السيرورات المعلوماتية داخل القشرة المخية البصرية. وتتوضح هذه البنية في عجلات ورواسم الألوان التي يستخدمها الفنانون. فالألوان يتم ترتيبها في نموذج متسق، تحتل فيه الألوان من الأحمر إلى الأخضر أحد المحاور، والألوان من الأزرق إلى الأصفر محورا آخر، في حين يقع ما هو بين الأسود والأبيض في محور ثالث. وتعطي الألوان المتقاربة بعضها مع بعض على عجلة (دولاب) الألوان color wheel خبرة متشابهة. [انظر الشكل في الصفحة المقابلة]. ومن المحتمل جدا أن تقابل تلك الألوان أيضا الأوصافُ (التمثيلات) المدركة perceptual representations في الدماغ كجزء من نظام تكويد ثلاثي الأبعاد معقَّد بين الخلايا العصبية التي لاتزال غير مفهومة تماما حتى الآن. إننا نستطيع إعادة تشكيل هذا المفهوم الأساسي كمبدأ للترابط البنيوي principle of structural coherence: بمعنى أن بنية الخبرة الواعية تنعكس بوساطة بنية معلومات الدراية، والعكس بالعكس.
 
ويتمثل المنافس الآخر للقانون النفسي الفيزيائي في مبدأ الثبات التنظيمي (التَّعْضوي) principle of organizational invariance الذي يرى أن المنظومات الفيزيائية التي لها التعضية المجردة نفسها تسبب النوع نفسه من الخبرة الواعية بغض النظر عمّا تتألف منه. فمثلا، إذا أمكن عمل نسخة من التآثرات الدقيقة القائمة بين عصبوناتنا على شيپات سليكونية، فستظهر الخبرة الواعية نفسها. إن هذه الفكرة فيها خلاف، ولكنني أعتقد أنها تلقى تأييدا قويا من قبل تجارب الفكر التي تصف الإحلال التدريجي للخلايا العصبية بشيپات السليكون [انظر ما هو مؤطر في هذه الصفحة]. والمضمون الجدير بالاعتبار، الذي يمكن الخروج به من هذا، هو أن الوعي قد يتحقق يوما ما في الآلات.
 
إن الهدف الأخير من صياغة نظرية للوعي يتمثل في مجموعة متسقة وبسيطة من قوانين أساسية تشبه القوانين الأساسية للفيزياء. أما المبادئ التي وصفناها آنفا فلا يحتمل أن تكون أساسية، بل إنها على ما يبدو قوانين نفسية فيزيائية عالية المستوى تشبه المبادئ العريضة في الفيزياء مثل مبادئ الترموديناميك ومبادئ الحركيات kinematics. فما عساها تكون القوانين الأساسية المهمة؟ لا أحد يعرف، ولكن لا مانع من التعمق في الأمر.
 
إنني أفترض إمكانية اشتمال القوانين النفسية الفيزيائية على مفهوم المعلومات بشكل مركزي. فالفكرة المجردة للمعلومات حسبما قدمها في الأربعينات من القرن الحالي <E .C. شانون> (من معهد ماساتشوستس للتقانة) هي مجموعة حالات منفصلة ذات بنية أساسية من التشابهات والاختلافات فيما بينها. ونستطيع أن نفكر في كود ثنائي ذي عشر بتات كحالة معلومات مثلا. ومثل حالات المعلومات هذه يمكن أن تكون ضمن العالَم الفيزيائي. ويحدث ذلك كلما تماثلت هذه الحالات مع حالات فيزيائية كالڤُلْطيات، أما الفروق بينها فيمكن نقلها عبر مسارٍ ما، كخط هاتفي على سبيل المثال.
 
المعلومات: فيزيائية وخبروية
ويمكن كذلك أن نجد المعلومات متضمَّنة في الخبرة الواعية. فعلى سبيل المثال، يمكن رؤية نموذج البقع اللونية الموجودة في المجال البصري على نحو يشابه العنصورات (عنصر صورة، پيكسلات) pixels التي تغطي شاشة العرض. ويتبين بما يثير الاهتمام، أننا نجد حالات المعلومات ذاتها متضمنة في الخبرة الواعية وفي السيرورات الفيزيائية الأساسية في الدماغ. فالتكويد الثلاثي الأبعاد للمساحات الملونة مثلا، يوحي بأن الحالة المعلوماتية في خبرة لونية تشبه بشكل مباشر حالةً معلوماتية في الدماغ. ويمكن الوصول إلى اعتبار الحالتين وجهين مستقلين لحالة معلوماتية واحدة متضمَّنة بشكل متزامن في المعالجة processing الفيزيائية وفي الخبرة الواعية معا.
 
ثم تعقب ذلك فرضية طبيعية. ربما يكون للمعلومات (أو بعضها على الأقل) وجهان أساسيان: أحدهما فيزيائي والآخر خِبرَوي experiential. ولهذه الفرضية منزلة المبدأ الأساسي الذي يمكن أن يشكل أساس العلاقة بين السيرورات الفيزيائية والخبرة. فحيثما نجد خبرة واعية فإنها تظهر كواحد من وجهي الحالة المعلوماتية، والوجه الآخر نجده متضمنا في السيرورة الفيزيائية في الدماغ. صحيح إن هذا الاقتراح يحتاج إلى إزاحة بعض الغموض عنه لجعله نظرية مقنعة، ولكنه يتناسب جيدا مع ما سبق ذكره من مبادئ، منها أن المنظومات ذات التنظيم (الترتيب) المتماثل ستتضمن المعلومات نفسها على سبيل المثال، ويمكن أن تفسِّر المعالمَ العديدة لخبرتنا الواعية.
 
وهذه الفكرة على الأقل تتوافق مع عدة أفكار أخرى، من مثل اقتراح الفيزيائي <A .J. ويلر> بأن المعلومات تعد أساسية لفيزياء الكون. وقد يتم في النهاية وضع قوانين الفيزياء في لغة معلوماتية. وفي هذه الحالة يمكن أن نحصل على تطابق مُرضٍ بين البناءات في كل من القوانين الفيزيائية والنفسية الفيزيائية (السيكوفيزيائية). وقد يبلغ الأمر أن تندمج في النهاية نظرية فيزيائية وأخرى للوعي في نظرية واحدة للمعلومات أكثر شمولا.
 
هل الخبرة كلية الوجود؟
والمشكلة المحتملة تصنعها الصفة الكلية للمعلومات. فحتى المنظم الحراري (الثرموستات)، على سبيل المثال، يتضمن بعض المعلومات، ولكن هل هو واع؟ هناك إجابتان محتملتان على الأقل: إحداهما، أننا نستطيع تقييد القوانين الأساسية بحيث يكون لبعض المعلومات فقط جانب خبروي، وربما كان ذلك بالاستناد إلى الطريقة التي تتم بها معالجة المعلومة فيزيائيا. والأخرى، أننا قد نسمح بأن يكون لكل المعلومات جانب خبروي ـ فحيث تكون معالجة المعلومات معقدة تكون هناك خبرة معقدة، وحيث تكون معالجة المعلومات بسيطة تكون الخبرة بسيطة. فإذا كان الأمر كذلك، فقد يمتلك حتى المنظم الحراري خبرات، على الرغم من كونها أبسط بكثير حتى من الخبرة اللونية الأساسية؛ وبالتأكيد لن يرافق ذلك انفعالات أو أفكار. وقد يبدو ذلك غريبا لأول وهلة، ولكن إذا كانت الخبرة أساسية حقا فيمكننا أن نتوقع أن تكون واسعة الانتشار. وفي جميع الأحوال فإن الاختيار بين هذه البدائل لا بد أن يعتمد على ما كان يستطيع منها أن يندمج في النظرية الأقوى.
 
وبالطبع، فقد تكون مثل هذه الأفكار خاطئة. ومن ناحية أخرى، فقد تتطور الأفكار لتعطي مقترحا أكثر قوة يتنبأ بالبناء الدقيق لخبرتنا الواعية انطلاقا من السيرورات الفيزيائية في أدمغتنا. وإذا نجح هذا الاقتراح فسيكون لدينا سبب وجيه لقبول النظرية. أما إذا أخفق فسيتم تعقُّب سُبُل أخرى ويمكن تطوير نظريات أساسية بديلة. وعلى هذا النحو فقد يمكننا في يوم من الأيام حل أكثر أسرار العقل غموضًا.
 
________________________________________
 المؤلف
David J. Chalmers
درس الرياضيات في جامعة أديلايد، واستفاد من منحة بحث رودس في جامعة أكسفورد؛ ولكن افتتانه بالوعي قاده إلى الفلسفة والعلوم المعرفية. حصل على الدكتوراه في هذين المجالين من جامعة إنديانا، ويعمل حاليا في قسم الفلسفة بجامعة كاليفورنيا في سانتاكروز. نشر مقالات عديدة عن الذكاء الصنعي وفلسفة العقل. وله كتاب «العقل الواعي»، الذي شرح فيه العديد من أفكار هذه المقالة.
________________________________________
مراجع للاستزادة 
ABSENT QUALIA, FADING QUALIA, DANCING QUALIA. David J. Chalmers in Conscious Experience. Edited by Thomas Metzinger. Ferdinand Schoningh, 1995.
EXPLAINING CONSCIOUSNESS: THE "HARD PROBLEM:" Special issue of Journal of Consciousness Studies, Vol. 2, No. 3; Autumn 1995.
THE CONSCIOUS MIND: IN SEARCH OF A FUNDAMENTAL THEORY. David J. Chalmers. Oxford University Press, 1996.
THE NATURE OF CONSCIOUSNESS: PHILOSOPHICAL DEBATES. Edited by Ned Block, Owen Flanagan and Guven Giizeldere. MIT Press (in press).
 
________________________________________
(*)The Puzzle of Conscious Experience ، وقد نشرت في العددين 6/7(1997) من مجلة العلوم.
(1) physical: فيزيائية، جسدية، مادية، لانفسانية.
(2)explicit neuronal representation.
سجل

أقراء هذا الموضوع

مشكلة الوعي
أناركي
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 756


حقوق الإنسان


الجوائز
« رد #2 في: 17/01/2009, 22:59:45 »

تصفحت الموضوع على عجل،، وسأقرؤه كاملاً على مهل

أشكرك على طرحك لموضوع الوعي مرة أخرى وبدراسة علمية من هذا النوع،،،


بروتين tulip
سجل

لاسلطوي !
بروتين
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 854



الجوائز
« رد #3 في: 17/01/2009, 23:21:16 »

الإبصار: (*)نافذة على الوعي
في بحوثهم حول العقل يركِّز العلماء على الإدراك
الإبصاري من خلال طريقة تأويلنا لما نرى.
<K .N. لوگوثيتيس>

حينما تنظر للوهلة الأولى إلى الصورة الكائنة في مركز اللوحة التي رسمها الفنان <سلڤادور دالي> وتقع في الصفحة المقابلة، ماذا ترى؟ إن معظم الناس يلاحظون على الفور وجه إنسان عيناه تحدقان في السماء وشفتاه تختبئان تحت شارب كثيف. ولكنك إذا نظرت إليها مرة أخرى فإن الصورة تعيد تشكيلها في مشهد أكثر تعقيدا، إذ يصبح أنف الرجل وشاربه الأبيض على هيئة غطاء للرأس ورداء للكتفين لسيدة جالسة. أما الومضتان الباديتان في عيني الرجل فتظهران كنورين في نافذتين أو كبريقين على سطحي كوخين يقبعان في سفح جبل مظلم. وأما الظلال البادية على خدّي الرجل فتبدو وكأنها طفل يلبس سروالا قصيرا ويقف إلى جانب المرأة الجالسة؛ ويتضح الآن أن كليهما ينظر إلى الكوخين الواقعين قبالة إحدى البحيرات من ثقب في جدار من الآجر، ثقب يشكل ما سبق أن حسبناه رسما إجماليا لوجه الرجل.
 
في عام 1940، حينما رسم <دالي> لوحة الشيخوخة والمراهقة والطفولة (الأعمار الثلاثة) التي تحتوي على ثلاثة «وجوه»، إنما كان يلعب بمقدرة عقل الناظر إليها على تخيل صورتين مختلفتين للمجموعة نفسها من ضربات الفرشاة. وبعد ما يزيد على خمسين عاما، يقوم اليوم باحثون ـ بمن فيهم كاتب المقالة وزملاؤه ـ باستخدام منبِّهات (مثيرات) stimuli إبصارية غامضة في محاولتهم تحديد النشاط الدماغي الذي يرتكز عليه الوعي. وعلى وجه التخصيص، فإننا نرغب في معرفة ما يحدث في الدماغ في اللحظة التي يفهم فيها الملاحظ (على سبيل المثال) كون الوجوه الثلاثة في لوحة دالي ليست في الحقيقة وجوها على الإطلاق.
 
إن تعريف مفهوم الوعي يعد أصعب من دراسته. وقد حقق المختصون بعلوم الأعصاب في السنوات الأخيرة تقدما مثيرا للإعجاب نحو فهم الأنماط المعقدة للفعالية التي تحدث في الخلايا العصبية (العصبونات) داخل الدماغ. وعلى الرغم من ذلك، فإن معظم الناس، بما في ذلك العديد من العلماء، لايزالون يجدون أن قبول نظرية التدفق الكهركيميائي أساسا لتفسير العقل وبخاصة الوعي أمر فيه الكثير من التحدي.
 
ولكن، كما حاجّ أخيرا كل من <F. كريك> [الحاصل على جائزة نوبل، والذي يعمل في معهد سولك للدراسات البيولوجية في سان دييگو] و<Ch. كوخ> [من معهد كاليفورنيا للتقانة]، فإن مشكلة الوعي يمكن تجزئتها إلى بضعة أسئلة منفصلة يمكن إخضاع بعضها للبحث العلمي، [انظر: «مشكلة الوعي»، مجلة العلوم، العددان 2/3(1999)، ص 12]. فمثلا، عوضا عن إرهاق المرء نفسه في البحث عن ماهية الوعي، يمكنه أن يطرح السؤال التالي: ما الفرق بين السيرورات العصبية التي تلازم خبرة واعية معينة وبين تلك التي لا تلازمها؟
 
والآن سوف تدرك ذلك
هنا يأتي دور المنبهات الغامضة. فالغموض الإدراكي ليس سلوكا متقلبا خاصا يرتبط بتنظيم (تعضّي) organization الجهاز الإبصاري، بل إنه يعرّفنا شيئا ما عن تنظيم الدماغ بمجمله وعن طريقته في جعلنا ندرك جميع المعلومات الحسية. فإذا أخذنا على سبيل المثال صف الكلمات الفرنسية العديم المعنى والذي ذكره عالم النفس <W. جيمس> في عام 1890 "pas de lieu Rhône que nous"، فإننا نقرأه مرات ومرات من دون أن نتعرف أنه يعني بالضبط عبارة: «تولّ شأن نفسك بنفسك». فما التغيرات التي تحدث في النشاط (الفعالية) activation العصبي حينما تصل الجملة ذات المعنى إلى الوعي فجأة؟
 
في أبحاثنا التي نستعمل فيها المنبهات الإبصارية الغامضة، نستخدم صورًا لا تبعث إدراكين مستقلين فحسب، بل تثير كذلك تناوبا مستمرا بين هذين الإدراكين. ويشكّل مكعب نيكر Necker cube مثالا مألوفا على ذلك (انظر الشكل في الصفحة 6). فهذا الشكل يُشاهَد مكعّبا ثلاثي الأبعاد، ولكن المنظور الظاهري لهذا المكعب يظهر متغيرا كل بضع ثوان. فلا بد أن يقابل هذا التناوب شيء ما يحدث في الدماغ.
 
وقد يجادل متشكِّك بأننا ندرك في بعض الأحيان منبها ما من دون أن نعيه حقيقة، على غرار، مثلا، توقفنا عند الضوء الأحمر لإشارة المرور على نحو تلقائي، ولكن المنبهات والمواقف التي استعملتها في تحرياتي هي من النوع المصمّم في الواقع لبلوغ الوعي.
 
إننا نعرف أن منبهاتنا تبلغ إدراك الناس ماداموا يستطيعون إخبارنا عن استيعابهم إياها. ولكن ليس بالإمكان عادة دراسة فعالية العصبونات الفرادى لدى الإنسان المستيقظ awake، الأمر الذي جعلنا نُجري تجاربنا على نسانيس يقظة alert سبق لها أن دربت على التعبير عما تدركه وذلك بضغطها روافع معينة أو النظر إلى جهة محددة. ونشير هنا إلى أن أدمغة النسانيس تشبه في تنظيمها (تعضيها) أدمغة البشر وأنها تستجيب لمثل هذه المنبهات بما يشبه استجابة البشر إلى حد كبير. ونتيجة لذلك فإننا نعتقد بأن وعي هذه الحيوانات يشبه إلى حد ما وعي البشر.
 
إننا ندرس الغوامض (الالتباسات) التي تنتج حينما يعرض أمام العينين نموذجان إبصاريان مختلفان في آن واحد، وتعرف هذه الظاهرة باسم التنافس بين العينين binocular rivalry. فعندما يوضع الناس في هذا الموقف تعي أدمغتهم أحد النموذجين الإبصاريين، ومن ثم النموذج الآخر في تناوب بطيء (انظر ما هو مؤطر في الصفحة 7).
 
وفي المختبر نستعمل المِجْسام stereoscope لخلق هذا التأثير. وتبين النسانيس المدربة، حينما تتعرض لمثل هذا التنبيه الإبصاري، أنها هي أيضا ينتابها إدراك يتغير كل بضع ثوان. وقد مكنتنا تجاربنا من تقصي النشاط العصبي الذي يقابل هذه الإشعارات المتغيرة.
 
 


إن المنبهات (المثيرات) الغامضة، على غرار ما جاء في هذه اللوحة للفنان <سلڤادور دالي> بعنوان: «الشيخوخة والمراهقة والطفولة (الأعمار الثلاثة)» تقدّم العون للعلماء الذين يستعملون الإدراك الإبصاري في دراسة ظاهرة الوعي.
في عين العقل
لقد أثبتت الدراسات التي أُجريت على النشاط العصبي للحيوانات طوال عقود من الزمن أن المعلومة الإبصارية حين تغادر العينين تصعد عبر مراحل متتابعة من منظومة عصبية تقوم بمعالجة البيانات. وهناك مَساقات modules مختلفة تقوم بتحليل الخواص المميزة المتنوعة للمجال الإبصاري. وبشكل عام يزداد تخصص نمط المعالجة processing كلما ازداد ابتعاد المعلومة على طول المسار الإبصاري (انظر الشكل في الصفحة flowers.
 
ففي بداية هذا المسار تتوجه الصور الخارجة من الشبكية (الواقعة في مؤخرة كل عين) نحو بِنْيَتَيْن صغيرتين في أعماق الدماغ تدعيان النواتين الرُّكْبِيّتَيْن الجانبيتين (الوحشيتين) lateral geniculate nuclei. ويستطيع التنبيه الإبصاري الوارد من هذه العين أو تلك ولكن ليس منهما معا، أن ينشِّط عصبونات فُرادى في النواتين الركبيتين الجانبيتين. وتستجيب هذه العصبونات لأي تغير في السطوع (اللمعان) أو اللون ضمن منطقة محددة داخل مساحة من المنظور (المشهد) تعرف باسم المجال (الحقل) الاستقبالي receptive field الذي يختلف من عصبون لآخر.
 
ومن ثم تنتقل المعلومة الإبصارية من النواتين الركبيتين الجانبيتين إلى القشرة المخية الإبصارية الأولية الواقعة في مؤخر الرأس والتي نرمز لها (V1). ونشير هنا إلى أن سلوك العصبونات في الباحة V1 area يختلف عن سلوك العصبونات في النواتين الركبيتين الجانبيتين؛ إذ يمكن لأي من العينين أن ينشّط هذه القشرة في العادة، ولكنها تكون حسّاسة أيضا لصفات نوعية مثل اتجاه حركة المنبه الواقع ضمن مجالها الاستقبالي. هذا وتُبَثُّ المعلومات الإبصارية من الباحة V1 إلى ما ينوف على عشرين منطقة قشرية مخية متميزة أخرى.
 
 

يمكن مشاهدة مكعب نيكر بطريقتين مختلفتين، استنادا إلى كون المرء يرى الحرف (X) على الحافة الأمامية العلوية للمكعب أو على وجهه الخلفي. فأحيانا يظهر المكعب مُرَكّبا على الدوائر، وأحيانا أخرى تظهر الدوائر على شكل ثقوب وأن المكعب يسبح خلف الصفحة.
 
يمكن تتبع بعض المعلومات الصادرة عن الباحة V1 أثناء انتقالها عبر باحتيْن تعرفان باسمي V2 وV4 قبل أن تنتهي إلى مناطق regions تعرف باسم القشرة المخية الصدغية السفلية inferior temporal cortex، (أو ITC اختصارا)، وهي ذات تناظر جانبي. ويوحي عدد كبير من البحوث، وبضمنها دراسات عصبية أجريت على أناس عانوا أذيات دماغية، بأن القشرة ITC مهمة لإدراك الشكل form وتعرّف الأشياء. ويعرف عن العصبونات الموجودة في الباحة V4 أنها تستجيب انتقائيا لنواح من المنبهات الإبصارية تعد حاسمة لإدراك الأشكال وتمييزها. صحيح إن بعض العصبونات في القشرة ITC تسلك سلوكا على غرار سلوك خلايا الباحة V4، ولكن عصبونات أخرى في القشرة ITC لا تستجيب إلا حينما توضع أشياء مكتملة (مثل الوجوه) ضمن مجالاتها الاستقبالية الواسعة جدا.
 
وتمر إشارات أخرى من الباحة V1 عبر المنطقتين V2 وV3 وعبر باحة تسمى MT/V5 قبل أن تصل أخيرا إلى جزء من الدماغ يدعى الفص الجداري. ويستجيب معظم العصبونات الموجودة في الباحة MT/V5 بشدة للأشياء التي تتحرك باتجاه معين. وهناك عصبونات موجودة في باحات أخرى من الفص الجداري تستجيب حينما يعير الحيوان انتباهه لمنبه ما أو يهم بالتحرك نحوه.
 
لقد استرعت انتباهنا في التجارب المبكرة ملاحظة لافتة للنظر تتمثل في أن عدة عصبونات في المسارات الإبصارية هذه، سواء في الباحة V1 أو في المستويات العليا لمراتب (هرمية) hierarchy المعالجة، تظل تستجيب بانتقائيتها المميزة للمنبهات الإبصارية، حتى عند الحيوانات التي تعرضت للتخدير التام. ومن الواضح أن الحيوان (أو الإنسان) لا يدرك جميع النشاط العصبي.
 
وهنا تثير هذه الملاحظة سؤالا عما إذا كان الإدراك يأتي نتيجة لتفعيل مناطق دماغية خاصة أو تجمعات عصبونية معينة. ودراسة ظاهرة التنافس بين العينين binocular rivalry لدى النسانيس المدربة اليقظة تتيح لنا إمكانية تناول هذا السؤال، ولو إلى حد ما على الأقل. ففي مثل هذه التجارب، يعرض الباحث أمام كل حيوان تشكيلة متنوعة من المنبهات الإبصارية تتمثل في العادة بنماذج أو أشكال تُعرض على الشاشة. ويمكن تدريب النسانيس بسهولة على أن تشعرنا بدقة بنمط المنبه الذي تدركه عن طريق إثابتها بمكافآت من عصير الفواكه. (انظر ما هو مؤطر في الصفحتين 10 و11).
 
يستعمل العالِمُ أثناء التجربة إلكترودات (مساري) تسجل نشاط العصبونات الواقعة في مسار المعالجة الإبصارية. وتتباين استجابية responsiveness هذه العصبونات إلى حد كبير حينما تعرض أمام العينين كلتيهما منبهات متماثلة في آن واحد. فقد يثير نموذج المنبه (أ) الفعالية في أحد العصبونات (على سبيل المثال)، في حين لا يثير النموذج (ب) تلك الفعالية.
 
فإذا ما حدد الباحث المنبه الفعال والمنبه غير الفعال لعصبون ما (عن طريق عرض المنبه ذاته أمام العينين كلتيهما وفي وقت واحد)، فإنه يستطيع عرض المنبهين على نحو ترى فيه إحدى العينين واحدا من المنبهين في حين ترى العين الأخرى المنبه الآخر. وإننا نتوقع أن النسناس، مثله مثل الإنسان في هذا الموقف، سيدرك المنبهين في تتال متناوب. وفي الواقع فإن هذا هو نفس ما توحي لنا به النسانيس عبر استجاباتها حينما تُعرَض عليها مثل هذه الأزواج المتنافسة من المنبهات. وعن طريق قيام الباحث بتسجيل نشاط العصبونات أثناء العرض المتتابع لهذه الأزواج المتنافسة من المنبهات، فإنه يستطيع أن يخمن أي العصبونات لا يغير نشاطه إلا حينما تتغير المنبهات، وأيها يغير معدل إضرامه firing حينما يُخبِر الحيوان عن تغير في الإدراك غير مصحوب بتغير في المنبهات.
 
أجريتُ مع <D .J. شال> [الموجود حاليا في جامعة ڤاندربلت] تعديلا على هذه التجربة بحيث ترى إحدى العينين حاجزا مُشَبّكا grating يتحرك ببطء نحو الأعلى في حين ترى العين الأخرى حاجزا مشبكا يتحرك نحو الأسفل. وقمنا بتسجيل الفعالية الصادرة عن الباحة MT/V5، حيث تميل الخلايا للاستجابة للحركة، فوجدنا أن ما يقرب من 43 في المئة من الخلايا الموجودة في هذه الباحة تغيرت مستويات فعاليتها حينما دل النسناس على أن إدراكه تغير من الأعلى إلى الأسفل، والعكس بالعكس. وتقع معظم هذه الخلايا في أعمق طبقات الباحة MT/V5.
 
لقد كانت النسبة المئوية التي قسناها أقل في الواقع مما كان يقدره معظم العلماء، لأن جميع عصبونات الباحة MT/V5 تقريبا هي من النوع الحساس لاتجاه الحركة. وبالفعل فقد سَلَكَتْ أغلبية عصبونات الباحة MT/V5 إلى حد ما سلوكا يشبه سلوك عصبونات الباحة V1 بحيث بقيتْ ناشطة مادام منبهها المفضل على مرأى من هذه العين أو تلك، سواء تم إدراك المنِّبه أو لم يتم.
 
كيف يمكن اختبار تنافس بين العينين?
إذا أردت محاكاة تنافس بين العينين في البيت، استعمل يدك اليمنى لمسك أسطوانة ورق مقوى (أو أي قطعة من الورق ملفوفة على شكل أنبوب) واضعا إياها أمام عينك اليمنى، وارفع يدك اليسرى (مع وضع راحتها في مواجهتك) على بعد نحو أربع بوصات أمام عينك اليسرى شريطة أن تكون حافة راحة اليد ملامسة للأنبوب.
في البداية سيظهر كما لو كان في يدك ثقب مادام دماغك يركز على المنبه انطلاقا من العين اليمنى. ولكن بعد ثوان سيمتلئ «الثقب» بإدراكٍ مشوّش لجميع راحة اليد واردٍ من عينك اليسرى. وإذا واصلت المشاهدة ستتناوب الصورتان لكون دماغك ينتقي أولا المنبه الإبصاري الذي تشاهده إحدى العينين ومن ثم المنبه الإبصاري الذي تشاهده العين الأخرى. ولكن هذا التناوب يبدي بعض الانحياز، فربما تدرك المنبه الإبصاري الذي تراه عبر الأسطوانة بتكرار أكبر من رؤيتك راحة يدك.
يحدث الانحياز لسببين: أحدهما، أن راحة يدك تكون خارج التركيز لأنها أكثر قربا إلى وجهك، الأمر الذي تميل معه المنبهات الإبصارية غير الواضحة لأن تكون أضعف منافسة (أثناء حدوث التنافس بين العينين) من النماذج الواضحة مثل عناصر البيئة المحيطة التي تشاهدها عبر الأنبوب. والآخر، أن راحة يدك سطح أملس نسبيا يقل فيه التباين والخطوط الكنتورية (الكفافية) مقارنة بعناصر البيئة الغنية التي تشاهدها عبر الأنبوب. أما في المختبر فإننا ننتقي النماذج التي يشاهدها الأشخاص محل التجربة بعناية تؤمِّن إزالة هذا الانحياز.
 

 

وكانت هناك مفاجآت أخرى. فنحو 11 في المئة من العصبونات التي جرى فحصها استثيرت، حينما كان النسناس يعبر عن إدراكه المنبه الأقوى مفعولا في العصبون المعني من بين المنبهين المتحركين نحو الأعلى أو نحو الأسفل. ولكن، على نحو مناقض، فإن نسبة مشابهة من العصبونات أبدت أقصى استثارة حين لم يُدْرَك المنبه الأقوى مفعولا، مع كون هذا الأخير على مرأى واضح من إحدى العينين. وهناك عصبونات أخرى غيرها لم يكن من الممكن تصنيفها على أساس أنها تفضّل أحد المنبهين على الآخر.
 
وبينما كنتُ أعمل مع <A .D. ليوپولد> في كلية طب جامعة بيلور، قمنا بدراسة عصبونات في أجزاء من الدماغ تعرف بأهميتها في تَعَرُّف الأشياء. (يرافقني ليوپولد الآن في معهد ماكس پلانك للسيبرنيتيكا البيولوجية في تونبيگن بألمانيا). لقد سجلنا الفعالية (النشاط العصبي) في الباحة V4 وكذلك في الباحتين V1 وV2، حينما كانت الحيوانات تُشاهد منبهات تتألف من خطوط مائلة باتجاه اليسار أو باتجاه اليمين. ففي الباحة V4 كانت نسبة الخلايا التي عكست فعاليتها ظاهرة الإدراك تشبه النسبة التي كنتُ مع شال قد وجدناها في الباحة MT/V5 والتي بلغت نحو 40 في المئة. ولكن مرة أخرى، فإن نسبة مهمة من الخلايا اضطرمتْ اضطراما أفضل حين لم تدرك منبهها المفضل. وعلى النقيض من ذلك، فإن ما يقل عن واحدة من كل عشر خلايا في الباحتين V1 وV2 اضطرمت حصرا حينما أدركت منبهها الأقوى مفعولا، ولم يضطرم أي منها حين لم يحدث إدراك لذلك المنبه.
 
لقد كان نموذج الفعالية مختلفا تماما في القشرة ITC، إذ قمتُ مع <L .D. شاينبرگ> [الذي انتقل معي من بيلور إلى معهد ماكس پلانك] بتسجيل الفعالية الصادرة عن هذه الباحة بعد تدريب النسانيس على الإشارة إلى إدراكها أثناء التنافس بين نماذج إبصارية معقدة (مثل صور لبشر أو حيوانات أو أشياء أخرى من صنع الإنسان). فوجدنا أن جميع العصبونات تقريبا (نحو 90 في المئة) قد استجاب بقوة حين أدركت النموذج المفضل لمنبهها، ولكن نشاطها هذا تثبط تثبيطا عميقا حين لم يتم إدراك هذا النموذج.
 
 

يبدأ المسار الإبصاري البشري بالعينين ويمتد عبر عدة بنى دماغية داخلية قبل أن يصعد إلى المناطق المختلفة من القشرة المخية الإبصارية (الباحة V1، وهلم جرا). وعند التصالب البصري يتقاطع العصبان البصريان جزئيا بحيث يستقبل كل واحد من نصفي الكرة المخية مُدْخَلا input واردا من كلتا العينين. ويجري تصفية المعلومات بوساطة النواة الركبية الجانبية (الوحشية) (LGN)، التي تتألف من طبقات من الخلايا العصبية لا تستجيب الواحدة منها إلا لمنبهات واردة من عين واحدة. وأما القشرة المخية الصدغية السفلية (ITC) فهي مهمة لرؤية الأشكال. وقد وجد الباحثون أن بعض الخلايا لدى كل باحة area لا تنشط إلا حينما يعي الشخص أو الحيوان المعني المنبه المُعطى.
 
وهكذا يبدو أنه في الوقت الذي تصل الإشارات الإبصارية إلى القشرة ITC تستجيب الأغلبية العظمى من العصبونات بطريقة مرتبطة بالإدراك. وقد استعمل <F. تونگ> و<K. ناكاياما> و<N. كانويشر> [من جامعة هارڤارد] تقانة تدعى التصوير الوظيفي بالرنين (التجاوب) المغنطيسي functional magnetic resonance imaging (أو fMRI اختصارا)، وهي تعطي صورا عن نشاط الدماغ تستند إلى قياس زيادة تدفق الدم في باحات معينة من الدماغ، بقصد دراسة البشر أثناء خضوعهم لاختبار ظاهرة التنافس بين العينين. فوجدوا أن القشرة المخية ITC تكون ناشطة حينما يذكر الأشخاص الخاضعون للاختبار أنهم يرون صورا للوجوه في ذلك الوقت.
 
باختصار، كان معظم العصبونات في المواقع (المراحل) الأولى من المسار الإبصاري يستجيب أساسا إلى وقوع، أو عدم وقوع، منبهها الإبصاري المفضل في مرآها على الرغم من أن قلة من هذه العصبونات أبدت سلوكا يمكن أن يُردّ إلى تغيرات في إدراك الحيوان؛ أما المواقع (المراحل) اللاحقة من مسار المعالجة processing pathway فقد ازدادت فيها نسبة العصبونات التي عكس نشاطها إدراك الحيوان حتى بلغت 90 في المئة.
 
وقد يعترض أحد النقاد مدعيا أن المدركات المتغيرة التي تعبر عنها النسانيس أثناء تنافس بين العينين يمكن أن تنجم عن قيام الدماغ عند بداية المسار الإبصاري بكبت المعلومة الإبصارية الواردة من إحدى العينين أولا ثم من العين الأخرى تاليا، بحيث يدرك الدماغ صورة واحدة في أي لحظة معينة. فإذا كان هذا هو ما يحدث، فإن الفعالية العصبية والمدرَكات المتغيرة لن تمثِّل ببساطة إلا المدخلات inputs المحوّلة من إحدى العينين إلى الأخرى، ولن يكون لها علاقة بالوعي الإبصاري في مواقف أخرى. ولكن الأدلة التجريبية تبين على نحو حاسم أن المدخلات الواردة من كلتا العينين تخضع لمعالجة متواصلة في الجهاز الإبصاري أثناء التنافس.
 
إننا نعرف ذلك لأنه قد اتضح أن التنافس بين العينين لدى البشر يُحدِث بطأَه العادي لتناوب المدركات حتى لو جرى تبديل switching المنبهات المتنافسة تبديلا سريعا (عدة مرات في الثانية) بين العينين. فإذا كان التنافس يتعلق فقط بتحديد أي من العينين يوجه الدماغُ الانتباهَ إليها، فإن ظاهرة التنافس ستختفي حين تبديل المنبهات سريعا بهذا الأسلوب (فالمشاهد سيرى عوضا عن ذلك تناوبا سريعا للمنبهات). وتوحي الاستمرارية الملحوظة للمدرَكات التنافسية المتغيرة ببطء (حينما تُبدل المنبهات بقوة) بأن التنافس إنما يحدث بسبب تسابق تمثيلات representations المنبه المتناوبة في المسار الإبصاري. وهكذا يقدم تنافس بين العينين فرصة مناسبة لدراسة الكيفية التي يقرر بها الجهاز الإبصاري ماذا نرى، حتى لو شاهدتْ كلتا العينين الشيء نفسه (تقريبا).
 
أُحجية إدراكية
ما الذي تكشفه هذه النتائج بشأن الإدراك الإبصاري؟ في المقام الأول تبين هذه النتائج أننا غافلون عن قدر كبير من فعالية (نشاط) أدمغتنا. فلطالما عرفنا أننا في الأغلب لا ندرك فعالية الدماغ التي تُبقي الجسم في حالة استقرار والتي تُعَدُّ إحدى أهم مهمات الدماغ من الناحية التطورية. وتبين تجاربنا أننا لا ندرك كذلك كثيرا من الفعاليات العصبية التي تولِّد، جزئيا على الأقل، خبراتنا الواعية.
 
نستطيع أن نقول ذلك لأن العديد من العصبونات في أدمغتنا تستجيب لمنبهات لا نكون واعين لها. ويبدو أن نسبة ضئيلة فقط من العصبونات قد تكون مرشحة معقولة لما يطلق عليه الفيزيولوجيون اسم «الملازم العصبي» neural correlate للإدراك الواعي، بمعنى أنها تستجيب بطريقة تعكس الإدراك على نحو موثوق.
 
 


هذه صور للنشاط الدماغي تخص نسناسا مخدرا عرض عليه منبه إبصاري دوّار شديد التباين rotating high-contrast (في أسفل اليسار). وتُظهر هذه المشاهد المأخوذة باستعمال التصوير الوظيفي بالرنين (التجاوب) المغنطيسي (fMRI) أن النسناس على الرغم من أنه غير واع، تكون باحات المعالجة الإبصارية لديه [والتي تتضمن النواتين الركبيتين الجانبيتين والقشرة المخية الإبصارية الأولية (V1) والقشرة المخية الصدغية الوسطى (الأنسية) (MT/V5)] جميعها مشغولة.
ولعلنا نستطيع أن نقول المزيد. فالعدد القليل من العصبونات التي يعكس سلوكها الإدراك إنما يتوزع على مجمل المسار الإبصاري بدلا من أن يشكل جزءا من باحة واحدة في الدماغ. وعلى الرغم من أن القشرة المخية ITC تمتلك عددا من العصبونات التي تسلك هذا السلوك يفوق كثيرا ما تمتلكه المناطق الأخرى، فإن مثل هذه العصبونات قد يتم العثور عليها في أماكن أخرى في تجارب قادمة. وعلاوة على ذلك، فقد تكون مناطق دماغية أخرى مسؤولة عن أية قرارات ناجمة عن أي منبه يصل إلى مستوى الوعي. وقد درس <D .E. لومر> وزملاؤه [في الكلية الجامعية بجامعة لندن] ذلك الاحتمال باستعمال التصوير fMRI، فبينوا أن الفص الصدغي لدى البشر يتفعّل أثناء المعايشة الواعية لمنبه ما، على غرار ما وجدنا لدى النسانيس. ولكن مناطق أخرى مثل الباحات القشرية المخية الجدارية والجبهية الأمامية (مقدم الجبهة) تُنشّط بالضبط في الوقت الذي يذكر الشخص موضعُ التجربة أن المنبه أخذ يتغير.
 
ولسوف تمدنا معرفة المزيد عن مواقع واتصالات العصبونات التي ترتبط بالخبرة الواعية بالكثير عن الكيفية التي يولِّد الدماغ بها الإدراك. ولكن النتائج المتوافرة حتى الآن توحي بقوة بأن الإدراك الإبصاري لا يمكن اعتباره الحصيلة النهائية لمثل هذه المراحل التسلسلية (الهرمية) للمعالجة. بل إنها عوضا عن ذلك تشمل مجمل المسار الإبصاري إلى جانب الباحات الصدغية الجبهية التي تدخل في المعالجة الاستعرافية العليا higher cognitive processing. ويعكس نشاط أقلية متميزة من العصبونات ما يُرى بصورة واعية حتى في أدنى المستويات التي أنعمنا النظر فيها وفحصناها، وهما الباحتان V1 وV2؛ فنسبة العصبونات النشيطة هي وحدها التي تزداد في المستويات العليا من هذا المسار.
 
وليس من الواضح في الوقت الحالي ما إذا كانت فعالية العصبونات في الباحات الأولى (المبكرة) جدا تقررها اتصالات هذه العصبونات بعصبونات أخرى في تلك الباحات، أو أنها تأتي نتيجة لارتباطات التغذية الراجعة feedback واتصالاتها نحو الأعلى والأسفل، التي تنطلق من الفصين الصدغي والجداري. فالمعلومات الإبصارية تتدفق من المستويات العليا نزولا باتجاه المستويات الدنيا مثلما تتدفق في الاتجاه المعاكس. وتشير الدراسات النظرية إلى أن المنظومات المزوّدة بهذا النوع من التغذية الراجعة تستطيع إبداء نماذج معقدة من السلوك، بما في ذلك حالات استقرار متعددة. فحالات الاستقرار المختلفة التي تصونها التغذية نحو الأعلى والأسفل يمكن أن تتطابق مع حالات مختلفة من الوعي الإبصاري.
 
وهناك سؤال مهم يتمثل فيما إذا كانت فعالية أي من العصبونات التي حددناها تحقق بصدق إدراكا واعيا لدى الحيوان. ويمكن أن نتصور بعد كل ذلك، أن هذه العصبونات إنما تخضع فقط لإشراف جزء آخر من الدماغ غير معروف يحقق من جانبه بالفعل الخبرة (المعاناة) الواعية.
 
ضمان أمانة النسانيس
يتمثل أحد الاعتراضات الممكنة على التجارب الموصوفة في المقالة الرئيسية في أن النسانيس ربما كانت تميل إلى الغش وصولا إلى مكافآتها من العصير. وعلى الرغم من كل شيء فإننا لسنا قادرين مباشرة على معرفة ما يفكر به النسناس (أو الإنسان) أو يدركه في لحظة ما. ولما كانت هذه النسانيس مهتمة أساسا بشرب العصير وليس بفهم كيفية نشوء الوعي انطلاقا من فعالية العصبونات ونشاطها، فمن الممكن أن تكون هذه النسانيس قد أوجدت استراتيجية للاستجابة بدت لنا وكأنها تعكس مدركات حقيقية، مع أنها في الحقيقة لا تعكس مثل ذلك.
ففي جلسة التدريب الموضحة أدناه بالرسم، على سبيل المثال، كان النسناس يدرب على أن يجذب الرافعة اليسرى حينما يرى إشراقة الشمس وأن يجذب الرافعة اليمنى حينما يرى راعي البقر. لقد استطعنا ضمان أن النسناس يواصل التعبير على نحو صادق وذلك عن طريق إقحام حالات لا يُعَرّض النسناس خلالها لأي منبهات تنافسية (في الأسفل). فأثناء هذه الفترات ظهر جواب صحيح حول ما تم إدراكه، وفي حال عدم إجابة النسناس إجابة صحيحة كانت التجربة (ومعها فرصة النسناس لنيل مكافآت من العصير أكثر) تُنهى على الفور. وعلى نحو مماثل، إذا جذب النسناس أيا من الرافعتين حين تُعرض عليه صورة مختلطة (تتراكب فيها صورتا إشراقة الشمس وراعي البقر) فإننا نعرف أن النسناس يكذب في محاولة منه للحصول على العصير (الصورة الأخيرة).
تشير نتائجنا إلى أن النسانيس تفصح عما تدركه بدقة. وما هو أكثر إقناعا يتمثل في ملاحظتنا أن النسانيس والبشر الذين يخضعون للاختبار بنفس الجهاز يظهرون مستوى الأداء نفسه في مختلف المهام.

                

هذا وتوحي تجارب حاذقة أجراها <T .W. نيوسوم> وزملاؤه [في جامعة ستانفورد] بأن الفعالية العصبونية في الباحة MT/V5 على الأقل تستطيع بالفعل تقرير وتحديد ما يدركه النسناس على نحو مباشر. ففي بادئ الأمر حدد نيوسوم العصبونات التي تستجيب انتقائيا لمنبه يتحرك في اتجاه معين؛ ثم قام بتنشيطها اصطناعيا بوساطة تيارات كهربائية صغيرة، وهنا عبرت النسانيس عن إدراكها حركة تتوافق مع تنشيطها الاصطناعي، حتى حين لم تكن المنبهات تتحرك في الاتجاه المرسوم.
 
سيكون من الممتع أن نرى ما إذا كانت هناك عصبونات من أنماط مختلفة في القشرة المخية ITC (وربما في المستويات الأدنى منها) تضطلع أيضا مباشرة في تحقيق الوعي. فإذا وُجِدَتْ مثل هذه العصبونات، فإننا سنتوقع أن يؤدي تفعيلها أو تثبيطها مؤقتا إلى تغيير في إدراك الحيوان أثناء تنافس بين العينين.
 
إن التفسير الأكمل للإدراك الإبصاري ينبغي أن يأخذ بالحسبان كذلك نتائج التجارب التي تُجرى على السيرورات الاستعرافية (المعرفية) الأخرى مثل الانتباه attention (أو ما يسمى الذاكرة العاملة working memory)؛ إذ تكشف تجارب <R. ديسيمون> وزملائه [في المعهد الوطني للصحة العقلية] عن تشابه لافت للنظر بين ما يلاحظ من تآثرات (تفاعلات) تسابقية أثناء تنافس بين العينين وبين السيرورات المشاركة في الانتباه. ونشير إلى أن ديسيمون وزملاءه دربوا النسانيس على التعبير عن إدراكها لدى رؤيتها منبهات سبق أن أُعطيتْ دالاّت cues عنها مقدما. وهنا أيضا، تستجيب عدة عصبونات استجابة تعتمد على المنبه الذي يتوقع الحيوان رؤيته أو على الموضع (المكان) الذي يتوقع الحيوان رؤيته فيه. وإنه لمن الأهمية الواضحة أن نعرف ما إذا كانت تلك العصبونات هي نفس العصبونات التي لا تضطرم إلا حينما يبلُغ نموذج ما مستوى الوعي أثناء تنافس بين العينين.
 
إن صورة الدماغ التي بدأت تتكشف انطلاقا من هذه الدراسات هي صورة لمنظومة تخلق سيروراتها حالات الوعي ليس فقط استجابة لمدخلات حسية، بل أيضا لإشارات داخلية تمثل توقعات مبنية على خبرات سابقة. ومن حيث المبدأ ينبغي أن يتمكن العلماء من تقصي وتتبع الشبكات التي تدعم هذه التآثرات. صحيح إن المهمة ضخمة، ولكن نجاحنا في تحديد العصبونات التي تعكس الوعي يعد بداية جيدة.
 
________________________________________
 المؤلف
Nikos K. Logothetis
هو رئيس قسم فيزيولوجية السيرورات الاستعرافية (المعرفية) في معهد ماكس پلانك للسيبيرنيتيكا البيولوجية في توبينگن بألمانيا، حاز الدكتوراه في البيولوجيا العصبية البشرية عام 1984 من جامعة لودفيك ماكسيميليان بميونيخ. وفي عام 1985 انتقل إلى قسم علوم الدماغ والعلوم الاستعرافية في معهد ماساتشوستس للتقانة، حيث كان باحثا وزميلا لما بعد الدكتوراه. وفي عام 1990 التحق بالهيئة التدريسية لقسم العلوم العصبية في كلية بايلور للطب، حيث أجرى معظم البحوث الموصوفة في هذه المقالة. وقد عاد إلى ألمانيا في عام 1997.
 
________________________________________
مراجع للاستزادة 
A VISION OF THE BRAIN. Semir Zeki. Blackwell Scientific Publications, 1993.
THE ASTONISHING HYPOTHESIS: THE SCIENTIFIC SEARCH FOR THE SOUL. Francis Crick. Scribner's, 1994.
EYE, BRAIN AND VISION. David H. Hubel. Scientific t American Library, 1995.
THE VISUAL BRAIN IN ACTION. A. David Milner and Melvyn A. Goodale. Oxford University Press, 1996.
Scientific American, November 1999
سجل

أقراء هذا الموضوع

مشكلة الوعي
بروتين
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 854



الجوائز
« رد #4 في: 17/01/2009, 23:30:32 »

الدماغ والعقل(*)
كيف يتشكل العقل الواعي؟ سؤال كثيرا ما طرحه الفلاسفة وعلماء
الأعصاب وعامة الناس. ولا بد من أن يؤدي المزيد من التعمق
في فهم آليات عمل الدماغ إلى الإجابة عن هذا التساؤل.
<R.A.داماسيو>

في مطلع هذا القرن، يتضح تقدم سؤال على جميع ما عداه في علوم الحياة، ألا وهو: كيف تنبثق مجموعة السيرورات processes التي ندعوها العقل من نشاط العضو الذي ندعوه الدماغ؟ إنه ليس سؤالا جديدا، إذ سبق أن طُرِح بصيغة أو بأخرى على مدى قرون طويلة. وما إن غدا بالإمكان طَرحه دون الموت حَرْقا على خوازيق الإعدام، حتى اتخذ صفة الإشهار والإصرار. وحديثا أخذ هذا السؤال يشغل أذهان الخبراء (من علماء الأعصاب وعلماء الاستعراف cognition والفلاسفة) مثلما يشغل أذهان آخرين يتوقون إلى معرفة أصل العقل، ولا سيما العقل الواعي.
 
تحتل مسألة الوعي في الوقت الحاضر محورا مركزيا لأن البيولوجيا عموما، والعلوم العصبية خصوصا، نجحتا في استجلاء الكثير من أسرار الحياة. فقد حمل إلينا العلم عن الدماغ والعقل في عقد التسعينات من القرن العشرين (الذي يحمل اسم عِقْد الدماغ) قدرا يفوق ما توصلنا إليه طوال التاريخ السالف لعلم النفس والعلوم العصبية برمته. وأصبح استجلاء الأساس البيولوجي العصبي للعقل الواعي (الذي يعد نسخة معدلة من مسألة العقل/الجسد المأثورة(1)) يُشكل تحديا مستمرا إلى حد ما.
 
قد يثير التأمل في العقل الهيبة لدى المتأمل، ولا سيما حينما يُشكل الوعي بؤرة البحث. فبعض المفكرين، سواء أكانوا خبراء أم هواة، يعتقدون أن مسألة الوعي قد تبقى من دون جواب من حيث المبدأ. أما بالنسبة إلى البعض الآخر، فإن الزيادة الأُسية exponential والمستمرة في المعارف الجديدة قد تبعث شعورا متصلبا بأنه ما من مشكلة تستعصي على أسلحة العِلم إذا ما كانت النظرية صحيحة والتقانات فعالة بما فيه الكفاية. وسيكون الحوار مثيرا للاهتمام، بل غير متوقع، مادامت لا تبرز شكوك مشابهة حول احتمال تفسير دور الدماغ في مسؤوليته عن سيرورات مثل الإبصار والذاكرة اللتين تُشكلان عنصرين أساسيين للسيرورة الأعظم التي تتمثل في العقل الواعي.
 
إنني أقف بثبات في المعسكر الواثق من حتمية ظهور تفسير مادي لانبثاق العقل من الدماغ، وربما يكون ذلك عما قريب. ولكن الإقرار بوجود بعض الصعوبات الحقيقية يحدّ المشاعر اللجوجة لتحقيق ذلك.
 
ما من شيء مألوف أكثر من العقل. ومع ذلك، فإن السعي بحثا عن المصادر والآليات التي يرتكز عليها العقل، يستدعي القيام برحلة في معالم طبيعةٍ غريبةٍ وطريفة.
 
يتناول أول الإشكالات المنظور الذي يجب أن يتبناه المرء في دراسة علاقة العقل الواعي بالدماغ الذي نعتقد أنه ينشأ فيه. فالجسم والدماغ لأي شخص يمكن للآخرين مشاهدتهما، أما العقل فلا يلحظه إلا صاحبه. فالجسم ودماغه كيانان محسوسان بشكل جلي ويتصفان بسمات خارجية مكشوفة ومألوفة، في حين يتصف العقل بكونه ذاتيا داخليا وشخصيا وخفيا.
 
إن التقانات المستخدمة في دراسة الدماغ تتضمن صورا مسحية scans دماغية عالية الدقة وقياسات مضبوطة لنماذج النشاط في العصبونات الدماغية. ويحاج السلبيون بأن التكديس المضني لجميع هذه البيانات إنما يزيد من قرائن الحالات العقلية، ولكنه لا يتشبه بأية حالة عقلية حقيقية على الإطلاق. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن الدراسة المفصلة للمادة الحية لن تقود إلى العقل، ولكنها فقط تغني تفاصيل هذه المادة. أما فهم الكيفية التي تُولِّد بها المادة الحية حس الذات sense of self، وهو الأمر الذي يعد السمة المميزة للعقل الواعي (بمعنى الإحساس بأن الصور في عقلي هي شيء يخصني ويصاغ في منظوري)، فإنه بكل بساطة غير ممكن. ومع أن هذه الحجة غير صحيحة، فإنها تحد من حماس معظم الباحثين في العقل الواعي.
 
تبدو مشكلة العقل الواعي بالنسبة إلى المتشائمين عسيرة إلى حد اعتقادهم أنه من غير الممكن حتى تفسير سبب ارتياح العقل لشيء ما، أو لماذا تمثل السيرورات العقلية حالات داخلية أو تآثرات interactions مع أشياء خارجية. (ونشير هنا إلى أن الفلاسفة يطلقون على هذه الصفة التمثيلية للعقل مصطلح القصدية intentionality.) بيد أن هذه الجدلية زائفة.
 
ولعل نقطة الجدل السلبية النهائية تتمثل في التذكير بأن إيضاح انبثاق العقل الواعي إنما يعتمد على وجود ذلك العقل الواعي نفسه. فإجراء بحث ما بأداة هي نفسها موضوع هذا البحث يجعل تعريف المشكلة وأسلوب المقاربة لحلها أمرين معقدين على نحو استثنائي. وبالنظر إلى ما نراه من تضارب بين الدارس والمدروس، فلا يبدو أن العقل البشري يقوى على فهم الكيفية التي ينبثق بها العقل من الدماغ. إن هذا التضارب حقيقي، ولكن الظن بأنه تضارب لا يمكن تذليله أمر غير صحيح.
 
 

يجري باستمرار عرض عقلي متعدد الوسائط أثناء قيام الدماغ بمعالجة الوقائع الحسية الخارجية والداخلية. ففيما يجيب الدماغ عن السؤال غير المطلوب حول من الذي يستبطن العرض العقلي (أثناء أدائه) ينبثق حس الذات.
وفي النهاية، فإن الاستثنائية الواضحة لمشكلة العقل الواعي والصعوبات التي تعقد طرق التصدي لها تتسببان في حقيقتين، تتمثل أولاهما في إحباط أولئك الباحثين الملتزمين بإيجاد حل، وتزيد الثانية من تأكيد اقتناع الآخرين ممن يعتقدون حدسيًّا بأن الوصول إلى حل ما أمر بعيد المنال.
 
تقييم الصعوبات(**)
يزعم أولئك الذين ينوهون بعجز البحث في المادة الحية للدماغ عن اكتشاف «كُنْهُ العقل» substance of mind بأن معارفنا الحالية عن تلك المادة الحية تكفي لإقرار مثل هذا الاجتهاد. ولكن هذه الفكرة تعد أمرا غير مقبول البتة؛ إذ إن التوصيف الحالي للظواهر البيولوجية العصبية مايزال ناقصا تماما من جميع الوجوه. فمايزال علينا أن نحل تفاصيل كثيرة تتعلق بعمل العصبونات والدارات circuits على المستوى الجزيئي؛ فنحن لم نتمكن حتى الآن من فهم كيف تسلك مجموعات العصبونات داخل منطقة دماغية موضعية ما، كما أن فهمنا للمنظومات الكبيرة التي تتشكل من مناطق دماغية متعددة ناقص أيضا. ولعل ما نفعله الآن لا يتعدى بدء النظر في حقيقة احتمال أن تولِّد التآثرات بين عدة مناطق دماغية غير متجاورة حالات بيولوجية راقية التعقيد تفوق كثيرا مجرد جمع أجزاء هذه المناطق.
 
وفي الواقع، مايزال التعليل الفيزيائي المتعلق بالأحداث البيولوجية غير مكتمل. وبالتالي فإن الإعلان عن أن مشكلة العقل الواعي غير قابلة للحل بدعوى كوننا استوفينا دراسة الدماغ ولم نجد العقل، أمر يبعث على السخرية. فنحن مانزال لم نستكمل دراسة البيولوجيا العصبية ولا الفيزياء المرتبطة بها. ونورد على ذلك مثلا من المستوى الأدق في توصيف العقل، وهو أن هَيْكَلة construction العديد من الصور الحسية ومنابلتها manipulation ومراكبتها superposition بهذه السرعة قد تتطلب تفسيرًا على المستوى الكمومي (الكوانتي) the quantum level. وبالمناسبة، فإن فكرة وجود دور محتمل للفيزياء الكمومية (الكوانتية) في إيضاح العقل، وهي الفكرة التي لازمت الفيزيائي<R.پنروز>(2) [من جامعة أوكسفورد]، لا تُعتبر إقرارا بمقترحاته النوعية التي تقول بأن الوعي مبني على ظواهر من المستوى الكمومي تحدث في الإنيبيبات الميكروية (الدقيقة) microtubules التي تعتبر من مكونات العصبونات والخلايا الأخرى. صحيح إن المستوى الكمومي للعمليات التشغيلية قد يساعد على شرح كيفية وجود عقل لدينا، ولكنني لا أعتبره ضروريا لشرح كيف نعرف أننا نمتلك ذلك العقل ـ وهي القضية التي أعتبرها أكثر أهمية للتوصل إلى وصفٍ مفهومٍ للوعي.
 
 



يتحدد عمل الدماغ في تمثيله أشياء أخرى غيره. وتبدي دراسات أجريت على نسناس المكاك دقة كبيرة بين شكل مرئي ما (a) وشكل نمط النشاط العصبي (b) في إحدى طبقات القشرة المخية الإبصارية الأولية.
 
وغالبا ما تعكس غرابة مشكلة العقل الواعي جهلا يقيد الخيال وله تأثير غريب يجعل الممكن يبدو مستحيلا. وقد قال كاتب الخيال العلمي <C.R.كلارك> : «إن أية تقانة متقدمة بشكل كاف لا يمكن تمييزها عن السحر». وتبلغ «تقانة» الدماغ حدا من التعقيد تبدو معه «سحرية»، أو على الأقل غير معروفة. وبروز الهوة الواسعة بين الحالات العقلية والظواهر البيولوجية الفيزيائية ينجم عن التفاوت الكبير بين جُملتين من المعارف تتمثلان فيما حققناه من فهم جيد للدماغ عبر قرون من التأمل الاستبطاني introspection وجهود العلوم الاستعرافية cognitive في مقابل ما حققناه من توصيف عصبي ناقص عبر جهود العلوم العصبية. ولكن لا مبرر لنا أن نتوقع بأن البيولوجيا العصبية لا تستطيع ردم تلك الهوة. فلا شيء يشير إلى أننا وصلنا حافة هاوية قد تفصل ما هو عقلي عما هو عصبي من حيث المبدأ.
 
ولذلك، فإنني أرى أن السيرورات البيولوجية التي يُظن اليوم أنها تقابل السيرورات العقلية ما هي في الحقيقة إلا سيرورات عقلية، وسيتبين أنها هكذا حين يتم فهمها بتفصيل كاف. إنني لا أنفي وجود العقل أو أقول بأننا يوم نعرف ما يلزمنا معرفته عن البيولوجيا فإن العقل لا يعود موجودا. لكنني أعتقد فقط بأن العقل الشخصي الخصوصي باعتباره ثمينا وفريدا، ما هو في الحقيقة إلا شأن بيولوجي، وسيأتي يوم يوصف فيه بمصطلحات بيولوجية.
 
أما الاعتراض الرئيسي الآخر على فهم العقل فيتمثل في أن التضارب الحقيقي بين الملاحِظ والملحوظ observer and observed يجعل الفكر البشري غير صالح لدراسة نفسه. ولكن من المهم أن نلفت النظر إلى أن الدماغ والعقل ليسا قطعة صلدة لا تتجزأ، بل يمتلكان مستويات بنيوية متعددة يكون أرقاها تلك المستويات التي تبدع أدوات تسمح بملاحظة المستويات الأخرى. فعلى سبيل المثال، وهبت اللغة الدماغ قوة تبويب المعارف واستخدامها طبقا لمبادئ منطقية، الأمر الذي يساعدنا على تصنيف الآراء بين صحيح وزائف. وينبغي أن نتجمل بالتواضع، فنحن نجهل ما إذا كنا سنتوصل يوما من الأيام إلى الكشف عن طبيعتنا بأكملها. ولكن إعلان الهزيمة قبل مجرد القيام بالمحاولة أمر ينافي رأي أرسطو بأن البشر يحبون إلى أبعد الحدود الاطلاع على كُنه طبيعتهم الخاصة.
 
مبررات التفاؤل(***)
يتطلب اقتراحي حول حل لغز العقل الواعي تجزئة المشكلة إلى جزأين، يتناول أولهما الطريقة التي نولد بها ما أسميه فيلما (مسلسل صور متحركة) في الدماغ movie-in-the-brain. وهذا «الفيلم» هو كناية عن التركيبة المتوالفة والمتكاملة للمُدركات الحسية المتنوعة (الإبصارية والسمعية واللمسية والشمية وغيرها) التي تؤلف ذلك العرض المتعدد الوسائط الذي نسميه العقل. أما الجزء الثاني فيتناول الذات the self والكيفية التي نولد بها أوتوماتيكيا حس ملكية ذلك الفيلم في الدماغ. هذا ويترابط جزآ المشكلة بحيث يستقر الجزء الأخير في صلب الجزء الأول. ويعد الفصل بينهما استراتيجية مفيدة للبحث، لكون كل من الجزأين يتطلب حلا خاصا به.
 
لطالما حاول علماء الأعصاب، بشكل غير مقصود، حل جزء «الفيلم في الدماغ» من مشكلة العقل الواعي طوال معظم تاريخ هذا المجال. وقد بدأت المساعي الجدية لرسم خريطة المناطق الدماغية الضالعة ببناء ذلك الفيلم منذ قرن ونصف القرن تقريبا حينما اقترح <P.بروكا> و <C. ڤيرنيكه> لأول مرة أن مناطق الدماغ المختلفة تدخل في معالجة processing النواحي اللغوية المختلفة. وحديثا بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارا سخية بفضل الابتكار على الدوام لتجهيزات متقنة.
 
يستطيع الباحثون الآن أن يسجلوا بشكل مباشر النشاط المنبعث في عصبون وحيد أو في مجموعة عصبونات، ومن ثم ربط ذلك النشاط بجوانب حالة ذهنية نوعية ما مثل إدراك اللون الأحمر أو الخط المنحني. وتكشف تقانات التصوير الدماغي (مثل صور البث المقطعي الپوزيتروني PET وصور التجاوب (الرنين) المغنطيسي الوظيفي fMR) كيفية انشغال المناطق الدماغية المختلفة في الشخص الحي السوي نتيجة قيامه بجهد ذهني معين (مثل الربط بين كلمة ما وشيء ما، أو تعرف أحد الوجوه). ويستطيع الباحثون أن يحددوا كيفية اشتراك الجزيئات molecules الموجودة ضمن الدارات العصبونية المجهرية في تحقيق مثل هذه المهام الذهنية المتنوعة، كما أنهم يستطيعون تحديد الجينات الضرورية لإنتاج وتوظيف تلك الجزيئات.
 
لقد تسارع التقدم أكثر من أي وقت مضى منذ أن قدم<H.D .هوبل>و<T.ويزل> [من جامعة هارڤارد] أول دالة عن كيفية تمثيل الدارات الدماغية لشكل معين ما، وذلك عن طريق إثباتهما تآلف عصبونات في القشرة المخية الإبصارية الأولية للاستجابة لحواف edges موجهة في زوايا متنوعة. وبعد ذلك أظهر هوبل و<S.M.ليڤينگستون> [من جامعة هارڤارد أيضا] أن عصبونات أخرى غيرها في القشرة المخية الإبصارية الأولية تستجيب بشكل انتقائي للون دون الشكل. وقد وجد <سمير زكي> [من جامعة لندن] أن المناطق الدماغية التي استقبلت المعلومات الحسية بعد القشرة المخية الإبصارية الأولية تتخصص فعلا لمزيد من معالجة اللون أو الحركات. وبذلك قدَّمت هذه النتائج نسخة مطابقة للملاحظات التي تم الحصول عليها من المرضى المصابين بعلل عصبية: فالأذيات التي تصيب مناطق متميزة من القشرة المخية الإبصارية تشوش إدراك الألوان، في حين تُبقي على تعرف الأشكال والحركات سليما معافى.
 
وفي الحقيقة يشير كم كبير من الأبحاث الآن إلى وجود توافق بين بنية الشيء حسبما تراها العين ونموذج (طراز) pattern النشاط العصبوني المتولد داخل القشرة المخية الإبصارية لكائن يشاهد ذلك الشيء (انظر الشكل في الصفحة المقابلة).
 
لقد أفضى المزيد من التقدم الملحوظ فيما يخص نواحي «الفيلم داخل الدماغ» إلى مزيد من التبصرات المتعلقة بآليات التعلم والذاكرة. وبتوالٍ سريع كشفت الأبحاث عن أن الدماغ يستعمل منظومات منفصلة في الأنماط المختلفة من التعلم. فالنوى القاعدية basal ganglia والمخيخ، على سبيل المثال، ضروريان بشكل حاسم لاكتساب المهارات (مثل تعلم ركوب الدراجة الهوائية أو العزف على آلة موسيقية)، كما يعد الحصين hippocampus عضوا تكميليا لتعلم الحقائق المتعلقة بكينونات، مثل الناس والأمكنة والأحداث. وعندما تُسجل هذه الحقائق، فإن الذاكرة الطويلة الأمد long-term memory لتلك الحقائق تعتمد في مهمتها على منظومات دماغية متعددة المكونات تقع أقسامها الرئيسية في الساحات الدماغية الواسعة التي تعرف باسم القشرات المخية cerebral cortices.
 
علاوة على ذلك، فإن السيرورة التي يتم بواسطتها ترسّخ الحقائق المتعلَّمة جديدا في الذاكرة الطويلة الأمد تتخطى العمل المكتمل للحصينين والقشرتين المخيتين. فلا بد من حدوث سيرورات processes معينة على مستوى العصبونات والجزيئات كيما تنطبع الدارات العصبية ببصمات تلك الحقيقة المتعلمة الجديدة. وتعتمد خاصية الانطباع هذه على تقوية أو إضعاف اتصالات التماس بين العصبونات التي تدعى المشابك synapses. ويفيد صاحبا مكتَشفٍ مثير حديث هما<R.E. كاندل> [من جامعة كولومبيا]و<P.T.تولّي> [من مختبر گولد سپرنگ هابر] بأن عملية الطبع impressing تتطلب تركيب پروتينات طازجة تستند بدورها إلى إسهام جينات نوعية داخل العصبونات تتولى تدعيم الذاكرة المُرسخة.
 

تستمر العلوم العصبية في الربط بين بنى دماغية معينة ومهام وظيفية نوعية. ويُلقي الشكلان (a) و (b) ضوءا على بعض مناطق اللغة، في حين يبين الشكل (c) منطقتي معالجة الألوان (بالأحمر) ومعالجة الوجوه (بالأخضر). أما حس المرء بجسمه الخاص فيعتمد على المنطقة الظاهرة في الشكل (d).
وهذه التوضيحات الوجيزة للتقدم يمكن توسيعها باكتشافات أخرى مستوحاة من دراسة اللغة والانفعال واتخاذ القرار. وأيا كانت الوظيفة الذهنية التي نتفحصها، فإنه يمكن تحديد أقسام دماغية متميزة تسهم في تكوين وظيفة ما بالعمل يدا واحدة؛ فثمة توافق وثيق بين ظهور حالة أو سلوك عقلي ما وبين النشاط في مناطق دماغية مختارة. ويمكن أن يتأسس ذلك التوافق بين منطقة قابلة للتحديد ماكروسكوبيا (عيانيا) (مثل القشرة المخية الإبصارية الأولية أو باحة ذات صلة باللغة أو نواة ذات صلة بالانفعال) وبين الدارات العصبونية الميكروسكوبية (المجهرية) التي تؤلف تلك المنطقة.
 
والأكثر إثارة هو أن هذه النجاحات المثيرة للإعجاب في دراسة الدماغ ليست إلا مجرد بداية. فالتقانات التحليلية الجديدة تحسن باستمرار مقدرتنا على دراسة الوظيفة العصبية على المستوى الجزيئي وعلى تحري الظواهر المعقدة الراقية ذات المقياس الكبير الناشئة عن الدماغ كلّه. والاكتشافات في هذين المجالين ستعمل دائمًا تقابلات أدق بين الحالات الدماغية والحالات الذهنية، بين الدماغ والعقل. وفيما تتطور التقانة وتتنامى عبقرية الباحثين فإن حبكة التفاصيل الدقيقة للبنى الفيزيائية والفعاليات البيولوجية التي تؤلف «الفيلم في الدماغ» ستزداد وضوحا بالتدريج.
 
مجابهة الذات(****)
إن زخم البحوث الحالية حول العلوم العصبية الاستعرافية cognetive والتراكم المكثف للوقائع القوية قد يقنع العديد ممن تساورهم الشكوك بإمكانية تحديد الأساس العصبي «للفيلم في الدماغ»، ولكنَّ هؤلاء المشككين سيجدون صعوبة في قبول اعتبار الجزء الثاني من مشكلة العقل الواعي (والمتمثل في انبثاق حس الذات) محتمل الحل على الإطلاق. ومع أنني أسلم بأن حل هذا الجزء من المشكلة غير واضح بحال من الأحوال، فقد جرى اقتراح حل جائز كذلك، ويجري الآن اختبار فرضية في هذا الشأن.
 

يحتل حس الذات مقعدا له في لب الدماغ. ويظهر تقشير التشريح الخارجي لدماغ الإنسان عدة مناطق واقعة في عمق الدماغ يُناط بها التنظيم الاستتبابي homeostatic regulation والانفعال واليقظة وحس الذات.
تستخدم الأفكار الرئيسية، التي ترتكز عليها هذه الفرضية، المقدرة التمثيلية representational ability الفذة للدماغ. فالخلايا الكائنة في الكلية أو الكبد تؤدي الأدوار الوظيفية الموكلة إليها ولا تمثل أية خلايا أو وظائف أخرى غيرها. أما خلايا الدماغ فإنها، وفي جميع مستويات الجهاز العصبي، تمثّل كينونات أو أحداث تجري في مكان آخر من المتعضية organism. فالخلايا الدماغية موكول إليها في تصميمها أن تمثل أشياء وأفعالا أخرى؛ فهي رواسم cartographers بالفطرة لجغرافية المتعضية وما يجري داخل تلك الجغرافيا من أحداث. وإن ما يتردد كثيرا عن لغز العقل القصدي intentional mind بالنسبة إلى تمثيل الأشياء الخارجية، فقد ثبت أنه ليس لغزا على الإطلاق. ويتبدد اليأس الفلسفي الذي يحيط بعقبة القصدية intentionality ـ الملمح إليها سابقا (والمتعلقة بسببية تمثيل الحالات الذهنية للانفعالات الداخلية وللتآثرات interactions مع الأشياء الخارجية) إذا ما درس الدماغ في السياق الدارويني: بمعنى أن التطور كوّن دماغا مهمته التمثيل المباشر للمتعضية والتمثيل غير المباشر لكل ما تتآثر معه المتعضية.
 
وهنا تقودنا القصدية الطبيعية للدماغ إلى حقيقة راسخة أخرى: فالدماغ يمتلك في بنيته أدوات مصممة لتدبير حياة المتعضية على نحو تبقى فيه الموازين الكيميائية الداخلية [الضرورية جدا للبقاء على قيد الحياة (للبُقْيا)] مصونة في جميع الأوقات. وهذه الأدوات ليست افتراضية ولا نظرية (تجريدية)، بل أدوات مقامة في لبّ الدماغ حيث جذع الدماغ brain stem والوطاء hypothalamus. كذلك تقوم الأدوات الدماغية التي تنظم regulate الحياة، بحكم الضرورة، بتمثيل حالات المتعضية المتغيرة باستمرار أثناء حدوثها. وبكلمات أخرى، فإن الدماغ يمتلك وسائل طبيعية لتمثيل كل من بنية المتعضية الحية بأكملها وحالتها.
 
ولكن كيف يمكن الانتقال من مثل هذه الذات البيولوجية إلى حس ملكية المرء لأفكاره، الحس بأن أفكاره تُبنى في منظوره الخاص به. ثم كيف يمكن للمرء أن يعرف ما يخص ذاته وما يخص محيطه؟ لقد حاججت في كتابي "The Feeling of What Happens" بأن الأساس البيولوجي لحس الذات يمكن أن يوجد في تلك الأدوات الدماغية التي تمثل لحظة بلحظة استمرارية continuity المتعضية الفردية نفسها.
 
وببساطة، تقترح فرضيتي بأن الدماغ يستعمل بنى معدة لرسم خريطة المتعضية والأشياء الخارجية كليهما بغية تكوين تمثيل حي من المرتبة الثانية. ويشير هذا التمثيل إلى أن المتعضية، مثلما هي مرسومة في الدماغ، تضطلع بالتآثر مع شيء مرسوم أيضا في الدماغ. ولا يعد هذا التمثيل من المرتبة الثانية أمرا تجريديا، إذ إنه يحدث في بنى عصبية مثل المهاد thalamus والقشرة المخية الحزامية.
 
تضيف مثل هذه المعارف المصوغة حديثا معلومات مهمة إلى السيرورة العقلية المُتنشِّئة. وعلى وجه التخصيص، فإنها تعرض ضمن السيرورة العقلية، المعلومات التي تفيد بأن المتعضية هي مالكة هذه السيرورة، وتتطوع للإجابة عن سؤال لم يسبق طرحه البتة: لمن يحدث هذا؟ وهكذا يتكون حس الذات في فعل التعرف، ويشكل ذلك أساس مفهوم ال«أنا» الذي يتميز به العقل الواعي.
 
ومرة أخرى تتوضح من منظور تطوري ضرورة حس الذات، انطلاقا من قول زوجة ويلّي لومان في كتاب آرثر ميلّر بعنوان Death of a Salesman: «يجب الانتباه!». لنتخيل متعضية تعي ذاتها مقابل متعضية من النمط نفسه تفتقر إلى وعي الذات: فالمتعضية التي تعي ذاتها لديها حافز للاهتمام بإشارات التحذير التي يوفرها «الفيلم في الدماغ» (مثل الألم الذي يسببه شيء معين) ومن ثم التخطيط لتفادي مثل هذا الشيء مستقبلا. وهكذا يمنح تطور الذات وعيا يُعدّ بوضوح مزية لصالح البقاء على قيد الحياة.
 
وإذا وضعنا استعارة الفيلم (مسلسل الصور المتحركة) نصب أعيننا، فإن حلي لمشكلة العقل الواعي يتمثل في أن حس الذات في فعل الاطلاع act of knowing إنما ينبثق داخل الفيلم. ويكون شعور الذات self-awareness في الواقع جزءا من الفيلم، وهكذا يكوّن داخل الإطار نفسه، «المنظور والناظر» the seen and the seer و«الفكر والمفكر» the thought and the thinker. فلا يوجد متفرج منفصل للفيلم في الدماغ. وتُبنى فكرة المتفرج ضمن ذلك الفيلم . فالسيرورات الدماغية الموضوعية تحبُك ذاتية العقل الواعي من خيوط نسيج الخريطة الحسية. ولما كان معظم الرسم الخرائطي الحسي الأساسي يتصل بحالات الجسم ويُصوّر كمشاعر، فإن حس الذات في فعل الاطلاع ينبثق كنوع خاص من الشعور feeling ـ الشعور بما يحدث في المتعضية أثناء فعل التآثر مع شيء ما.
 
المستقبل(*****)
قد أكون أحْمَقَ لو تنبأت بما يمكن أو لا يمكن اكتشافه، أو بالزمن الذي قد يُكتشف فيه شيء من هذا القبيل، أو بالمسار الذي يتخذه اكتشاف ما. ولكن ربما كان مأمونا القول إنه بحلول عام 2050 ستمحو المعارف الوافية للظواهر البيولوجية أشكال الفصل التقليدية الاثنينية dualistic للدماغ/الجسد، والعقل/الجسد، والعقل/الدماغ.
 
قد يخشى بعض المراقبين أن يؤدي استجلاء البنية الفيزيائية لشيء ثمين وجليل مثل عقل الإنسان إلى الحط من منزلته أو حتى تلاشيه كليا. ولكن شرح أصول وفعاليات العقل على أساس بيولوجي لن يُلغي العقل، بل يمكن أن يمد ما نحمله له من روع ليشمل البنية الميكروية (الصغرية) المذهلة للمتعضية والوظائف البالغة التعقيد التي تتيح لمثل هذه البنية الميكروية توليد العقل. وبفهمنا للعقل في مستوى أعمق، فإننا سنرى فيه أعقد مجموعة للظواهر البيولوجية في الطبيعة، بدلا من كونه لغزا من طبيعة غير معروفة. وسيبقى العقل ماثلا بعد تفسيره، تماما مثلما يبقى عطر الوردة فواحا بطيب الرائحة بعد استنباطنا بنيته الجزيئية.
 
________________________________________
 المؤلف
 
Antonio R. Damasio
أستاذ كرسي<W.M. ڤان ألن> المشهور ورئيس قسم طب الجهاز العصبي في كلية طب جامعة أيوا وأستاذ ملحق في معهد سولك للدراسات البيولوجية في ساندييگو. ولد في البرتغال وحصل على الدكتوراه من جامعة لشبونة. وبالاشتراك مع زوجته هنّا Hanna أوجد داماسيو مِرْفقًا في أيوا كرّسه لبحوث الاضطرابات الطبية العصبية المتعلقة بالعقل والسلوك. وإضافة إلى كونه عضو المعهد الطبي التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم وعضو الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم، فقد ألف في عام 1994 كتاب الخطأ الديكارتي: الانفعال والتفكير والعقل البشري Emotion, Reason, and the Human Brain:Descartes Error، كما ألف كتابه الجديد بعنوان: الشعور بما يحدث The feeling of what happens.
 
________________________________________
مراجع للاستزادة 
EYE, BRAIN, AND VISION. DAVID H. HUBEL. Scientific American Library (W. H. Free man), 1988.
THE REDISCOVERY OF THE MIND. John R. Searle. MIT Press, 1992.
BRIGHT AIR, BRILLIANT FIRE: ON THE MATTER OF'I'HE MIND. Gerald M. Edelrnan. Basic Books, 1993.
THE ENGINE OF REASON, THE SEAT OF THE SOUL: A PHILOSOPHICAL JOURNEY INTO THE BRAIN. Paul M. Churchland. MIT Press, 1995.
THE FEELING OF WHAT HAPPENS: BODY AND EMOTION IN THE MAKING OF CONSCIOUSNESS. Antonio R. Damasio. Harcourt Brace, 1999.
Scientific American, December 1999
 
سجل

أقراء هذا الموضوع

مشكلة الوعي
بروتين
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 854



الجوائز
« رد #5 في: 17/01/2009, 23:57:37 »

تحية طيبة زميلي أناركي واتمنى أن تستفيد من هذا الشريط, هذه مجموعة مقالات عن الوعي من النسخة العربية لمجلة السنتفك امريكن
أحببت ان أضع هنا رابطين لمقال عن الوعي قمت بترجمتة بعنوان
الأساس العصبي لنفس
وآخر كنت قد كتبتة بعنوان
الأدراك والأنا
 
سجل

أقراء هذا الموضوع

مشكلة الوعي
ارتباطات:
صفحات: [1] للأعلى طباعة 
شبكة الملحدين العرب  |  القسم العلمي  |  العلوم و الإختراعات  |  موضوع: مشكلة الوعي « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  


free counters Arab Atheists Network admin(at)el7ad(dot)info
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها